حين تُنقذ القيادة الدولة..!
طه حسن الأركوازي ||

ليست القيادة موقعاً يجلس فيه المسؤول ، ولا سلطةً تُقاس بعدد الأوامر التي يصدرها ، وإنما هي القُدرة على قراءة الواقع قبل أن يتحول إلى أزمة ، وأستشراف المُستقبل قبل أن تفرضه الأحداث ، وتحويل الموارد المحدودة إلى فرص ، والمؤسسات إلى أدوات لخدمة المجتمع ، ولعل من أعمق النماذج التي قدمها القرآن الكريم في هذا المجال قصة نبي الله يوسف ( ع ) فهي ليست قصة نجاة فرد فحسب ، بل نموذج في إدارة الأزمة ، وحسن توظيف الموارد ، وأختيار الكفاءة ، وربط السُلطة بالمسؤولية .
فحين قال يوسف ( ع ) : ﴿ أَجعَلني على خَزَائِن الأَرض إِني حَفِيظٌ عَليم ﴾ ، لم يكُن يُقدم نفسه بوصفه صاحب نفوذ ، بل بوصفه صاحب كفاءة وقُدرة وأمانة ، وهذه قاعدة إدارية لا تزال صالحة لكُل دولة .؟
فالموقع العام ينبغي أن يُسند إلى من يملك القُدرة على حمايته وإدارته ، لا إلى من يملك القدرة على الوصول إليه أو من يملُك حزب أو داعم .؟
لقد واجه نبي الله يوسف ( ع ) سنوات الرخاء بمنطق الاستعداد لسنوات الشدة ولم ينتظر وقوع الأزمة حتى يبحث عن الحل ، وإنما بنى سياسة مُسبقة للإنتاج والتخزين وترشيد الاستهلاك ، وربط القرار الاقتصادي بالمُستقبل ، وهذه هي جوهر الإدارة الحديثة للمخاطر :
“هي أن تُدير الدولة أيام الوفرة بعقلية من يعرف أن الوفرة ليست دائمة” .؟
وهنا تكمُن إحدى أكبر مُشكلات العراق اليوم ، فالعراق لا يُعاني من ندرة الموارد بقدر ما يُعاني من ضُعف تحويل موارده إلى تنمية مُستدامة .
وتُشير التقارير الأمُمية وبالتحديد تلك الصادره عن صندوق النقد الدولي إلى أن الاعتماد الكبير على النفط ، وأتساع فاتورة الأجور العامة ، وضعف الإيرادات غير النفطية ، ومُشكلات الحوكمة والكهرباء والقطاع المصرفي ، تُمثل تحديات هيكلية تضغط على الاستقرار المالي والنمو المستقبلي .؟
كما يُؤكد أن إصلاح سوق العمل والقطاع المصرفي والحوكمة يمكن أن يرفع إمكانات النمو غير النفطي بصورة كبيرة .
المشكلة إذن ليست في غياب المال وحده ، وإنما في منظومة “صناعة القرار” ، فالدولة التي لا تستثمر في الإنسان والخبرة والبحث العلمي ، ولا تستمع إلى المُتخصصين ، ولا تحمي الكفاءة من التهميش ، تفقد تدريجياً أهم مواردها غير المرئية “رأس المال البشري” ، وعندما تصبح الإدارة ضعيفة ، تبدأ الكفاءات بالانسحاب ، ويحل محل الخبرة الولاء الحزبي والفئوي أو القُرب أو القُدرة على التأثير ، فتضعف المُؤسسة حتى لو بقيت موازناتها كبيرة .
وهنا تبرز قيمة تجربة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) ولا سيما في عهده لمالك الأشتر ، إذ ترتبط الإدارة لديه بالعدل ، وأختيار المسؤول على أساس الأمانة والكفاءة ، ومُراقبة الأداء ، وصيانة المال العام ، والاستماع إلى الناس ، فالقيادة في هذا التصور ليست أمتيازاً شخصياً ، وإنما أمانة ثقيلة ، وكُلما أتسعت السُلطة أتسعت معها المسؤولية .
والتاريخ الحديث يقدم الدرس ذاته ، فقد خرجت “ألمانيا واليابان” من دمار الحرب العالمية الثانية ، ولم يكن طريق التعافي مُجرد إعادة بناء المباني ، بل إعادة بناء المُؤسسات ، والانضباط الإداري ، والتعليم ، والإنتاج ، والثقة بالقانون .
وتؤكد دراسات البنك الدولي أن إعادة البناء بعد الحرب أرتبطت بإصلاحات سياسية وأقتصادية وإجتماعية ومُؤسسية ، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري .
أما العراق اليوم لا يحتاج إلى مُعجزة أقتصادية بقدر حاجته إلى عقل دولة ، وحاجته إلى إدارة تنظر إلى النفط بأعتباره مورداً لبناء أقتصاد مُتنوع لا بديلاً عن الاقتصاد ، وإلى الموازنة بأعتبارها أداة للتنمية لا مُجرد وسيلة للإنفاق ، وإلى الوظيفة العامة بأعتبارها مسؤولية لا مُكافأة ، وإلى باحثين وخبراء ومُتخصصين بأعتبارهم جُزءاً من صناعة القرار لا هامشاً عليها .
أخيراً وليس آخراً .. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة والخبرة والنزاهة ، وبناء مُؤسسات قادرة على التخطيط والاستشراف ، وربط الإنفاق العام بالنتائج ، وحماية المال العام ، وتطوير القطاع الخاص ، وإصلاح الكهرباء والمصارف ، وتنويع مصادر الإيرادات ، وتوجيه الاستثمار نحو الإنسان قبل الإسمنت ، وهذه ليست رفاهية إدارية ، فالبنك الدولي يؤكد أن أعتماد العراق على النفط يجعله عُرضة للتقلبات الاقتصادية ، وأن محدودية فُرص العمل ، وضعف القطاع الخاص يُشكلان تحدياً مُتزايداً ، خصوصاً مع التركيبة السكانية الشابة .
لقد علّمنا نبي الله يوسف (ع) : أن الدولة قد تواجه سنوات صعبة ، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تفقد القُدرة على التخطيط .
وعلّمتنا تجارب الدول التي خرجت من الحروب أن الركام يُمكن إزالته ، والاقتصاد يُمكن إعادة بنائه ، والمُؤسسات يُمكن إصلاحها ، بشرط وجود قيادة ترى أبعد من اللحظة .
والعراق لا تنقصه الثروة ، ولا تنقصه الكفاءات ، ما ينقصه هو أن تلتقي الثروة بالكفاءة ، والكفاءة بقرار الدولة ، وقرار الدولة برؤية وطنية طويلة المدى ، وعندما يحدث ذلك ، تصبح الأزمات أمتحاناً لقُدرة الدولة على النهوض لا حكُماً دائماً عليها بالتعثر …!




