دروشة النفوذ؛ عندما يتحول السياسي إلى “شيخ طريقة”..!
الشيخ خالد الملا ||
رئيس مؤسسة جماعة علماء العراق

ليس حُباً في الزهد ولا شغفاً بالتزكية فالروحانية الحقيقية سلوكٌ خفيّ بين العبد وربه ، لا تحتاج إلى منصات تصوير ولا إلى صوت ، هكذا تعلمنا التصوف من أساتذتنا، أما مانشهده اليوم من تحول دراماتيكي لكبار القوم وبعض قيادات المجتمع الدينية والسياسية إلى “متصوفة” يحضرون حلقات الذكر ويطربون لضرب الدفوف ، ليس إلا أسلوباً جديداً في إدارة النفوذ وتدوير الأزمات .
حين تُفلس الخيارات السياسية المتغلفة بالدين ، وتتآكل الشارات الحزبية ، وتُخفق الوعود الخدمية في إقناع الشارع ، تصبح “الدروشة” الحصن الأخير (لاخوان الشياطين )، إنها الهروب الذكي من دائرة المحاسبة والمساءلة إلى مساحة الروحانيات التي لا يقبل الجمهور المساس بها ، فالناقد للمسؤول السياسي يُعدّ معارضاً بحق ، أما الناقد لـ “الشيخ الزاهد” فيُتهم فوراً بقلة الأدب والتعدي على الحرمات.
هذه “المسرحية الروحية” تحقق لبعض الاشخاص عدة أهداف في ضربة واحدة :
1- تخدير العواطف وتسطيح العقول واستبدال الأسئلة الجوهرية عن المستقبل والإنجاز ، بأجواء من الشحن العاطفي والاندماج الطقوسي الذي يغيب فيه العقل التحليلي .
2- صناعة قداسة بديلة وإسباغ هالة من الصلاح على وجهٍ طالما ارتبط بالصفقات والكواليس وتوريط الناس ، لغسل تأريخهم وإعادة إنتاج الشخصية بقالب نقي .
3- تجميع الجماهير بأقل تكلفة أثناء الطقوس والمهرجانات الروحية وأداة حشد جماهيري أسهل بكثير من إقناع الناس ببرامج عمل حقيقية .
إن الفرق شاسع بين تصوف الصالحين الذي يهرب صاحبه من الجاه والدنيا — وهم كثيرون ومحترمون ومعروفون بتاريخهم — وبين التصوف المنحرف الذي يبحث عن المصالح والتكسب ، والذي يهرب صاحبه إلى الدفوف ليغطي على ضجيج إخفاقاته وفساده ، ما تراه العين اليوم ليس تجلياً إيمانياً، بل هو لون جديد من ألوان التذاكي، واستغلال جديد لعرَض عاطفي دائم لدى الشعوب في عاطفتها أعني العاطفة الدينية .




