الجمعة - 25 سبتمبر 2026

رسم الدخول… رسم الخروج..!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

لا يدري لماذا كانت عينا ولده البكر ذلك الصباح بهذا الاحمرار الشديد، فقد تحوّل بياضهما إلى قطعة حمراء دامية مخيفة، في حالة لم يشهدها يوماً في حياته التي شارفت على الستين. أخذه بلهفة الأب الخائف على ولده إلى أحد المستشفيات الأهلية في المدينة.

كان المستشفى نظيفاً، تفوح منه رائحة طاهرة لا تشبه روائح المستشفيات الحكومية. أروقة لامعة، وموظفون يتحدثون بهدوء، وأبواب واسعة تطلّ على حدائق جانبية، حتى ليكاد المرء ينسى أنه في مستشفى. كل شيء هنا يوحي بالطمأنينة، ولم يكن الأب يعلم أن هذه الطمأنينة كلها ستتراجع خطوة إلى الوراء عند أول كلمة مخيفة.

حين جاء دورهما دخلا على الطبيب، فرحّب بهما بحفاوة واستقبلهما بابتسامة لا تنفصل عن روح المكان، وكان اسم الابن ظاهراً على حاسوبه قبل أن يجلسا.

عاين الطبيب عيني الشاب وقال: لا شيء يستدعي القلق، إنه التهاب بسيط. سأصف لك بعض الأدوية فواظب عليها أياماً، فإن لم تتحسن فعُد إليّ لنجري بعض الفحوصات.

إلى هنا بدت الأمور طيبة، وغمره ارتياح كبير. وعادته حين يرتاح أن يبدأ بالإفصاح عن تفاصيل قد لا تكون مهمة، فقال للطبيب: أشكرك يا دكتور لأنك طمأنتني، والله كنت خائفاً، لا سيما أن الأخبار تتسارع عن انتشار الحمى النزفية.

ولم يكد يُتمّ عبارته حتى سارع الطبيب إلى ارتداء كمامة وقفازات بلاستيكية، وأرجع كرسيه قليلاً عن وجه المريض، ثم مدّ يديه يفحص العينين من جديد، بالقفازات هذه المرة، كأنه أدرك للتو أن في البلد حمى نزفية منتشرة، وكأنه يجهل أعراضها. ثم تغيّرت ملامحه وقال: تعالوا معي.

ازداد قلق الأب وندم على كلماته. أخذهما الطبيب إلى المختبر المجاور لغرفته، وسأل العاملين فيه: هل لدينا اختبار للكشف عن الحمى النزفية؟ فنظر إليه كل من في المختبر باستغراب وقلق، وانبرى أحدهم قائلاً: دكتور، نحن لا نتعامل مع الأمراض المعدية، هذا من شأن المستشفيات الحكومية، وفي أحدها محجر لهذه الحالات.

عاد الطبيب مسرعاً إلى غرفته، والأب وابنه يسيران خلفه كأنه يسحبهما إلى حتفهما. كان الابن صامتاً مذهولاً، لا يدري ما الذي ينتظره، وقلب أبيه يتقطّع عليه. لكن ماذا يفعل؟ لا شيء بيده.

ولمّا رأى الطبيب القلق بادياً عليهما قال من خلف كمامته: اطمئنوا، الحمى النزفية ليست خطيرة، لكن علينا أن نرسلكم إلى المستشفى الحكومي، وهناك ستجدون العناية اللازمة. ثم اتصل بصديق له هناك وقال: سأحوّل إليك حالة مرضية، أرجو الاهتمام بها. وأعطى الأب رقم صديقه ليتصل به عند وصوله.

عادا إلى البيت، وأعدّا حقيبة وضعا فيها ملابس وغيارات، ثم توجّها إلى المستشفى الحكومي الذي يبعد بضعة كيلومترات، فقطعاها في حرّ لا يُطاق.

لم يجدا هناك من يستقبلهما. كان اليوم يوم جمعة، وكأن الناس لا يمرضون يوم الجمعة، فلا طوارئ ولا طبيب خفر، فقط شباب وشابات مكدّسون في غرفهم. مشى الأب في الممرات يسأل عن قسم الحجر، فلم يجد أحداً يعرف مكانه، ولا من يرشده إلى من يعرف. ظل نحو نصف ساعة يدور حول نفسه، يسأل هذا وذاك. هذا يهزّ رأسه، وتلك تمطّ شفتيها، وذاك يقول: واصل السير. ولم يوصله أحد منهم إلى وجهته.

وحين أثقله التعب وكاد يعود أدراجه، وابنه يتبعه صامتاً بعينيه الحمراوين، دلّه أحدهم أخيراً على قسم الحجر، وكان يقع في طابق علوي. صعدا يجرّ كلٌّ منهما أذيال الآخر، فقد حطّم سوء الاستقبال معنوياتهما.

عند بوابة القسم نادَيا مرات عدة، فخرج إليهما رجل من غرفة خلفية يرتدي ملابس خاصة كأنه رائد فضاء، وفي عينيه نظرة تمزج الضجر المبكر بالازدراء، تُخبر من تقع عليه بلا كلام أنه غير مرحّب به هنا.

قال: ما عندكم؟

قال الأب: لدينا إحالة من المستشفى الأهلي إلى مستشفاكم، لأنهم شكّوا في أن هذا الشاب مصاب بالحمى النزفية.

نظر الرجل إلى الشاب بتمعّن، ثم التفت إلى الأب وقال: يا حاج، أولاً لا توجد أي علامة على أن الشاب مصاب بالحمى النزفية، وثانياً نحن لا نتعامل مع المستشفيات الأهلية، وعليك مراجعة الطوارئ لتحيلك إلينا.

قال الأب: ولكن لا يوجد أحد في قسم الطوارئ اليوم.

قال: صحيح، فاليوم جمعة، تعالوا غداً.

قال الأب: ألا توجد حالات طارئة يوم الجمعة؟

لم تعجبه الكلمات، فبدا الانزعاج على قسمات وجهه. عندها تذكّر الأب رقم صديق الطبيب، فاتصل به وشرح له ما جرى، فكلّم الصديق بدوره من في القسم، فانقلب الرفض إذناً، وقال الرجل: ادفعوا رسم الدخول لنُدخلكم.

دفعا الرسم ودخلا، وليتهما لم يدخلا. أسرّة متسخة، أغطيتها ممزقة، والمكان أقرب إلى معتقل منه إلى مستشفى لمرضى يحتاجون إلى عناية نفسية قبل الطبية.

جلس الابن حائراً على طرف السرير لا يدري ما يصنع، ونظر الأب إلى وجهه فرأى فيه طفله الذي أسرف في تدليله. كان يعرف أن روحه رقيقة كنسمة، وأن عوده ليس صلباً ليواجه أبسط المصاعب، فقد ظل له ولإخوته الخيمة التي تقيهم مطر الشتاء وحرّ الصيف، وها هو الآن عاجز عن أن يقيه هذا المكان. كادت دموعه تقفز من عينيه، وسأل نفسه: أيُعقل أن يبلغ الحال ببلدي هذا المبلغ؟

بعد تداول قصير قال لولده: لن تبقى هنا، ستعود معي إلى البيت، وإن تأكدنا من الحمى النزفية تولّينا رعايتك بأنفسنا.

همّا بالمغادرة، فاعترضهما أحد العاملين في القسم وقال: إلى أين؟

قال الأب: سنغادر، فالمكان قد يُسيء إلى حال مريضنا، أو ينقل إليه أمراضاً أخرى.

قال: لكن يجب أن تخرجوا على مسؤوليتكم.

قال: نعم، وهو كذلك.

قال: إذن ادفع رسم الخروج.

قال الأب باستغراب: ماذا؟ قبل قليل كنتم تمانعون دخولنا، فدخلنا بالواسطة، والآن تمنعوننا من الخروج؟

قال ببرود من اعتاد قولها كل يوم، دون أن يرفع عينيه إليه: نعم، هذه إجراءات.

فدفع رسم الخروج من أجل ولده، ولم يكلّف المستشفى درهماً واحداً. كان الرسم الأول ثمناً لعلاج جاء يطلبه، أما هذا فثمن الفرار من وباء قد يصيب ابنه في فوضى القسم. وخرجا مسرعَين يتلفتان خلفهما خشية أن يُعادا إلى المحجر الذي دخلاه بالواسطة. دفعا ليدخلا، ودفعا ليخرجا، ولم ينالا أي خدمة.

ولم يطمئن الأب حتى حمل ابنه إلى طبيب أخصائي في عيادته، فتبيّن أن الاحمرار كان التهاباً حاداً، عالجه الطبيب بلا محجر ولا واسطة. ولو لقيه في المستشفى الحكومي لما وجد منه هذه العناية، فالطبيب في عيادته غيرُه في مستشفى الدولة.