ما هو عهد السيد نصر الله الذي التزمه الأوفياء بشعار إنا على العهد؟!
إيهاب شوقي / مصر ||

أطلقنا شعار إنا على العهد على مسار سيدنا رضوان الله تعالى عليه والشهداء لنستمر ونبقى ونكون من بعدهم نعمل كما عملوا ونعيش حياة العزة. الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم
منذ شهادته المباركة وما صاحبها من صدمة كبرى لكل أحرار العالم، وفي مقدمتهم رفاقه من القادة والمجاهدين وجماهير المقاومة، وهناك حالة من حالات الوفاء التي تصدرت المشهد، وهي حالة استراتيجية لا تقتصر على الجوانب القيمية والأخلاقية، لأنها لا ترتبط بوفاء لقائد عظيم استثنائي مثل الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، ولكنها ترتبط بالتزام مسار استراتيجي متكامل تمت صياغته في كلمة مختصرة وهي العهد، وتم التعبير عن هذا الالتزام بشعار مختصر وهو إنا على العهد.
وقبل الخوض في بنود هذا الميثاق، وماهية العهد، لا بد من الإشارة إلى أن الشهيد الأسمى نصر الله قد تناول هذا العهد بنفسه وفي خطاباته والتزم به، وهو ما يعني أننا أمام عهد ممتد، وهو ما يفسر وصف الشيخ نعيم قاسم لهذا العهد بأنه مسار.
وهنا يمكن الاستدلال بمثال صغير، مثلما ورد في خطاب سماحة السيد نصر الله في مهرجان يوم الشهيد في 15 تشرين الأول/ نوفمبر 2012، حيث اختتم خطابه بالقول:
نجدد عهدنا مع شهدائنا، مع شهدائنا القادة، مع السيد عباس، مع الشيخ راغب، مع الحاج عماد، مع الإمام المؤسس الإمام موسى الصدر، نجدد عهدنا ووعدنا معكم جميعًا على أننا باقون في مواقع المقاومة والصبر والاحتساب والثبات والحرص على الوحدة حتى يختم الله لنا بإحدى الحسنيين أو كلا الحسنيين، النصر أو الشهادة.
العهد لغة الأحرار وذوي الإرادة والوفاء
العهد لغةً هو حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، واصطلاحًا هو الموثق واليمين والذمة والأمان الذي يلزم الوفاء به، ويأتي بمعنى الوصية، وباختصار هو يشير إلى الميثاق وحفظ الوصية والنهج العام بما يتضمنه من ثوابت.
وهنا، وعندما نتناول مصطلح العهد، فإننا نتحدث عن فريق يحمل قيم الوفاء والالتزام، وهو ما يعني بالضرورة امتلاك الإرادة والخلق الرفيع، ويكفي أن نشير إلى أن الذم في الأعداء والمجرمين والخونة، يتضمن دومًا افتقادهم للعهود، حيث يقال إنهم لا عهد لهم، وبالتالي فنحن أمام اصطلاح يستخدم حصرًا للشرفاء.
ما هو عهد المقاومة؟
العهد والميثاق يتعلق بمجموعة من الثوابت والتي يقتضي الوفاء بالعهد الالتزام بها، وهنا يمكن التمييز بين مستويين:
أولًا: المستوى العام، ويمكن أن نطلق عليه المستوى الاستراتيجي، والمتعلق بالقضية والقيم، وهنا فإن المستوى الاستراتيجي للعهد هو حماية المستضعفين ودعمهم بكافة الأشكال المتاحة وتحرير الأرض ومواجهة الاستكبار الخارجي والداخلي وتحقيق الاستقلال الوطني وحفظ الكرامة والسيادة الوطنية.
ثانيًا: المستوى التكتيكي والتنفيذي للعهد، والذي يخضع لثوابت لحفظ المسار الاستراتيجي، ويخضع لبعض المرونة في الأدوات لذات الغرض المتعلق بحفظ المسار وعدم إهدار مكتسباته أو السماح بتراجعه.
ويمكن بيان هذا المستوى في هذه النقاط:
1- الرؤية تجاه لبنان: التمسك بوطن واحد موحد أرضًا وشعبًا ومؤسسات، ورفض التقسيم أو الفدرلة، والتأكيد على قيام دولة عادلة وقوية وقادرة على حماية حقوق المواطنين والحرص على التوافق الداخلي والتمسك باتفاق الطائف وضرورة الشراكة الوطنية، واعتبار السلم الأهلي أمرًا مقدسًا، والحرص على حماية ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
2- قدسية سلاح المقاومة: ورفض أي دعوة لنزع السلاح والقبول بتوظيف السلاح في إطار استراتيجية دفاعية عامة تحمي لبنان وسيادته.
3- مركزية القضية الفلسطينية ودعمها باعتبارها قضية حق وعدل وعدم الاعتراف بالكيان تحت أي بند وما يترتب على ذلك من تفاوض مباشر، ودعم حقوق الفلسطينيين في استعادة الأرض وتحرير المقدسات كاملة ورفض مشاريع التسوية.
4- مواجهة الهيمنة برفض الهيمنة الأميركية والغربية في المنطقة العربية والإسلامية.
5- الانفتاح الإيجابي بإقامة علاقات تعاون متوازنة مع الدول العربية والإسلامية ودول العالم على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف بحق المقاومة.
6- التموضع في محور كامل للمقاومة والتعاون مع كافة حركات المقاومة بكافة السبل المتاحة ومستوياتها التي تمر من التأييد وتمر بالتنسيق وتنتهي بوحدة الساحات والحرب المشتركة، وفقًا لطبيعة المراحل وظروف الجبهات.
العهد بعد شهادة السيد نصر الله
وقد مر هذا العهد بعد الشهادة المباركة للسيد نصر الله باختبار تاريخي، حيث ذهب الكثيرون إلى أن الأمور قد تنفرط بسبب الشخصية الاستثنائية للسيد وبسبب الخسائر التي لحقت بالمقاومة، إلا أن سماحة الشيخ نعيم قاسم استطاع بإخلاصه وحنكته أن يحافظ على البوصلة واستطاع بتاريخه ورصيده أن يحظى بثقة القيادات والمجاهدين وجمهور المقاومة.
كيف حافظ الشيخ نعيم على العهد؟
تسلم الشيخ نعيم تكليفه في ظل حرب ضروس أسمتها المقاومة أولي البأس، والتي كان الغرض منها إنهاء المقاومة وليس مجرد إنهاكها أو هزيمتها، فاستطاعت المقاومة الثبات في المعركة وقصف العمق الصهيوني ومنع أي توغل صهيوني أو تمركز بأي قرية، وخرج الشيخ نعيم ليقول للعدو إنها معركة من يصرخ أولًا ونحن لن نصرخ.
ووجد العدو ومن ورائه أميركا أن الأمور تتجه لمسارات العام 2006، وهو ما جعلهم يلجؤون لوقف إطلاق النار، وقد وافق الحزب على ذلك لإعادة الترميم والجهوزية لجولات قادمة، وليس عن خضوع لخديعة، فهو يعلم أن أميركا قائد العدوان، والأهم أن شروط وقف إطلاق النار لم تتعارض مع الثوابت.
وكما كان متوقعًا، فقد استغل العدو وقف إطلاق النار وتواطؤ أميركا في التمادي في الخروقات ومحاولة الكسب بالسياسة ما لم يحققه بالحرب، وتزامن مع ذلك سقوط النظام السوري وإطباق الحصار على المقاومة، في ظل ضعف وتراخٍ من السلطة السياسية، واحتفظ الحزب بصبره الاستراتيجي وهو يرى ويسمع الدعوات لنزع سلاحه والدعوات لسلام وتطبيع مع العدو، ولكنه احتفظ بقرار استئناف المقاومة للحظة مواتية.
وقد وجد الحزب أن اندلاع الحرب مع إيران هي اللحظة المواتية لاستئناف المقاومة بعد صمت لمدة 15 شهرًا، وقد أبرز الحزب مفاجآت استراتيجية في معركة العصف المأكول، والتي أوصلت رسالة بأنه يحتفظ بقوته وبغموضه الاستراتيجي، حيث عجز العدو عن مواجهة مسيراته الجديدة وأشعلت جدلًا ونقاشًا حادًا داخل الأروقة العسكرية الصهيونية التي خلصت إلى أنه لا حل لهذه المشكلة، وكثف الحزب عملياته لمستويات قياسية.
ولعل هذا النجاح العملياتي هو ما ربط ملف لبنان بملف إيران التفاوضي مع أميركا، وهو إنجاز استراتيجي ضخم، حيث أصبح ملف لبنان ملفًا إقليميًا وله بعد دولي بارتباطه بمضيق هرمز وملف الطاقة العالمي.
ولكن وللأسف، فإن السلطة السياسية سعت لإهدار هذا المنجز عبر تفاوض مباشر دون إجماع وبخرق فاضح للدستور، وبالتخلي عن المقاومة وأوراق القوة، ناهيك عن استفزاز المقاومة وتجريمها والتلويح المتكرر بنزع السلاح.
ولكن واحتفاظًا بالعهد، لم تنحرف بوصلة الحزب ولم ينجر للاستفزازات، وظل محافظًا على معادلة الشعب والجيش والمقاومة عبر الإعلان الصارم الذي لا يقبل نقاشًا عن الاحتفاظ بالسلاح وخيار المقاومة، وعبر اللين وإقامة الحجة على الدولة بشكل متكرر غير صدامي.
وقد التزم الجمهور بهذا العهد رغم التضحيات، فلم نجد الجماهير تطاوع غضبها وتخرق الثوابت، ولم نجد الجماهير تنقلب على المقاومة أو تحملها مسؤولية التضحيات، بل لا نرى إلا صبرًا في كلام أهالي الشهداء والأهالي من النازحين المدمرة بيوتهم، والذين يعلنون أنهم فداء الحسين وفداء السيد وفداء الشيخ وفداء المقاومة وأنهم ثابتون وصامدون وأنهم على العهد.
🖋 ايهاب شوقي




