الثوب الممزق وعربة التكتك… وقبة البرلمان..!
محمد الكعبي ||

بين ثوبٍ ممزق وتكتكٍ انتخابي، يبدأ بعض السياسيين رحلتهم نحو البرلمان.
فجأةً يصبح السياسي ابنَ المحلة، وصديقَ الفقراء، ورفيقَ أصحاب المهن البسيطة و يجلس في الأزقة، يأكل من موائد البسطاء، يركب عربة التكتك، يرتدي الملابس المتواضعة، ويتحدث بلغة الناس التي لم نسمعها منه قبل موسم الانتخابات، تُلتقط الصور، وتنتشر المقاطع، وتُصنع المشاهد بعناية؛ لأن السياسة الانتخابية تعرف جيدا أن الصورة أحيانا تبيع أكثر مما يبيع البرنامج.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفقر من قضية إنسانية إلى سلعة انتخابية، وتتحول معاناة الناس إلى حملة علاقات عامة، وتصبح عربة التكتك جزءا من الدعاية، والثوب الممزق جزءا من السيناريو المراد منه استغفال الناس، وهنا لا تعود البساطة بساطة، ولا يصبح القرب من الناس قربا حقيقيا، بل تتحول حياة الفقراء إلى ديكور انتخابي مؤقت ومحدود بزمان ومكان خاص.
الأخطر من استعراض الفقر هو أن الانتخابات قد تنزلق إلى سوقٍ تُشترى فيه أصوات المحتاجين، مالٌ هنا، ومساعدةٌ هناك، ووعدٌ بوظيفة، وسلةٌ غذائية، وخدمةٌ شخصية، ثم يُطلب من المواطن في المقابل أن يمنح صوته عندها لا يصبح السياسي وحده مسؤولا عن تشويه الانتخابات؛ فهناك سؤال آخر يجب أن نواجهه بصراحة،
ان السياسي الذي يشتري الصوت يرتكب خطأً سياسيا وأخلاقيا، لكن المواطن الذي يبيع صوته لا يبيع ورقةً انتخابية فقط؛ إنه يبيع جزءا من قدرته على محاسبة من سيحكمه وقد يحصل على مبلغٍ أو منفعةٍ لساعات أو أيام، لكنه قد يدفع الثمن سنوات فمن اشترى صوتك اليوم قد لا يشعر غدا بأنه مدين لك بشيء، بل قد يعتبر أن الصفقة انتهت لحظة وضعك إصبعك على ورقة الاقتراع وهنا تبدأ المفارقة القاسية هنا بدا الانهيار الحقيقي للمنظومة الاخلاقية بدأ الانحطاط المجتمعي والخراب والفساد والمحاصصة من تلك اللحظة فقد البلد سيادته وامنه واستقراره لان السياسي اشترى والمواطن باع وتمت الصفقة، الناخب يبيع صوته بثمنٍ بخس، ثم يطالب السياسي الذي اختاره بمنجز كبير و( النتائج تتبع اخس المقدمات) كما يقولون في الفلسفة.
قول ذلك لا يعني بأي شكل تبرئة السياسي الذي يستغل حاجة الناس فالذي يستخدم المال أو النفوذ أو الحاجة لشراء الأصوات يتحمل مسؤولية أساسية عن إفساد المنافسة السياسية، لكن الاعتراف بمسؤولية السياسي لا يعني أن يتحول الناخب إلى مجرد ضحية بلا إرادة فالناخب يملك لحظةً نادرة يصبح فيها صاحب القرار وهي لحظة الاقتراع وفي تلك اللحظة، لا يملك السياسي المال أو المنصب وحدهما؛ بل يملك الناخب صوته.
ومن هنا تبدأ المسؤولية: إذا اختار المواطن على أساس المال، فلا ينبغي أن يتفاجأ إذا أصبح المال جزءا من السياسة وإذا اختار على أساس الانتماء الضيق، فلا ينبغي أن يستغرب عندما تصبح المصلحة العامة آخر الأولويات وإذا صدّق كل وعد بلا سؤال عن آلية التنفيذ ومصدر التمويل والمدة الزمنية، فإنه يفتح الباب أمام الشعبوية وإذا أعطى صوته لمن يجيد التقاط الصور بدل من يملك برنامجا قابلا للتطبيق، فهو يمنح الصورة فرصةً أكبر من الأداء.
السياسي مسؤول عن الخداع، والناخب مسؤول عن عدم تسليم عقله للخداع فالسياسي قد يطلق مئة شعار، لكن الشعار لا يتحول إلى قوة سياسية إلا عندما يجد من يصفق له ويصدقه ويمنحه صوته دون سؤال، ولهذا فإن مواجهة الشعبوية لا تبدأ فقط من البرلمان، بل تبدأ من الناخب.
اسأل المرشح:
ماذا ستفعل؟
كيف ستفعل؟
كم سيكلف ذلك؟
ما الذي تستطيع فعله فعلا من موقعك؟
ماذا أنجزت سابقا؟
ومن سيحاسبك إذا لم تنفذ؟
هذه الأسئلة البسيطة قادرة على إسقاط كثير من الخطابات الانتخابية، لأن السياسي الذي يبيع الوهم يحب الناخب الذي لا يسأل أما السياسي الذي يعرف أنه سيُحاسب، فيضطر إلى الحديث عن البرنامج والنتيجة والمسؤولية، الفقر قاسٍ، والحاجة قاسية، ومن السهل أن نفهم لماذا قد يقبل إنسان محتاج مبلغا أو مساعدة في موسم انتخابي، لكن تفهّم الحاجة لا يعني تحويلها إلى قاعدة سياسية، فالسياسي الذي يستغل فقرك لا يساعدك؛ بل يستثمر حاجتك والمال الذي يدفعه لك اليوم قد يكون أرخص استثمار انتخابي قام به، إذا كان المقابل أربع سنوات من السلطة فإذا كان صوتك يساوي عند السياسي آلافا، فلماذا تقبله أنت مقابل مبلغ مؤقت؟
لا تبيع ما لا تستطيع استعادته فالمال الذي تأخذه ينتهي أما الصوت الذي تمنحه، فقد يصنع قرارا يمتد أثره سنوات.
المشهد الأكثر استفزازا حين يصبح المقعد هدفا، والراتب مكسبا، والمخصصات حقا مقدسا، والمكتب مساحة نفوذ، والسيارة رمزا للمكانة، عندها يصبح المواطن الذي أوصل النائب إلى البرلمان مجرد محطة انتخابية انتهى دورها وتم سحقها.
فالانتخابات لا تنتهي عند إعلان النتائج، إذا كنت قد منحت صوتك، فامنح معه شيئا آخر: المراقبة.
تابع أداء النائب.
اقرأ ما يقدمه.
اسأل عن وعوده.
راقب مواقفه.
ميّز بين ما يملكه النائب من صلاحيات وما لا يملكه، ولا تسمح لأربع سنوات من الصمت أن تمر ثم تعود إلى الصندوق نفسه بالشكوى نفسها.
اعتدنا أن نقول:
السياسي فاسد.
السياسي كاذب.
السياسي اشترى الأصوات.
السياسي نسي وعوده.
وقد يكون كثير من هذا صحيحا في حالات مختلفة.
لكن هناك سؤالا آخر أكثر إزعاجا، كيف يستمر نفس السياسي إذا لم يجد من يرفض شراءه، أو يحاسبه، أو يرفض إعادة انتخابه؟
هناك مرشح وناخب.
هناك من يعرض ومن يختار.
هناك من يعد ومن يصدق.
هناك من يشتري الصوت، وهناك من يقبل أن يبيعه.
ولهذا فإن إصلاح السياسة لا يمكن أن يكون بإصلاح السياسي وحده؛ بل يحتاج أيضا إلى إصلاح ثقافة الاختيار.
لا تنتخب من يشبهك في الفقر… انتخب من يشبهك في المسؤولية
هذه هي النقطة التي يجب أن ننتبه إليها، ليس المطلوب أن نبحث عن السياسي الذي يرتدي مثلنا، أو يركب مثلنا، أو يسكن في منطقتنا، أو يتحدث بلهجتنا، هذه كلها تفاصيل قد تكون مهمة، لكنها ليست معيارا كافيا، السؤال الأهم:
هل يشبهنا في احترام المال العام؟
هل يشبهنا في احترام القانون؟
هل يشبهنا في رفض الرشوة والمحسوبية؟
هل يشبهنا في تحمّل المسؤولية؟
هل يحاسب نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالمحاسبة؟
فقد يركب السياسي التكتك ولا يخدم الفقراء.
وقد يركب سيارة فاخرة ويؤدي عمله بنزاهة.
المظهر لا يصنع المسؤول.
الأداء هو الذي يصنعه.
البرلمان ليس جائزة للمرشح… ولا ورقة يانصيب للناخب
البرلمان ليس مكافأة لمن نجح في إدارة حملة إعلامية.
وليس غنيمة لمن استطاع جمع الأصوات.
وفي المقابل، الانتخابات ليست ورقة يانصيب يلقيها المواطن ثم ينتظر الحظ إنها مسؤولية مشتركة فالسياسي مسؤول عن برنامجه، وعن أمواله الانتخابية، وعن وعوده، وعن أدائه بعد الفوز، والناخب مسؤول عن قراره، وعن عدم بيع صوته، وعن فحص الوعود، وعن متابعة من منحه الثقة، فإذا كان السياسي يطلب من الناخب أن يثق به، فعلى الناخب أن يطلب منه ما يثبت أنه يستحق الثقة.
لا تشكُ من النتيجة إذا شاركت في صناعة السبب أقسى ما يمكن أن يحدث أن يبيع المواطن صوته، ثم يقضي السنوات الأربع التالية في الشكوى من سوء الخدمات والفساد والبطالة والامتيازات، أو يختار على أساس القرابة أو الانتماء، ثم يشكو من المحسوبية، أن يصدق الوعود بلا سؤال، ثم يغضب من عدم تنفيذها.
أن يختار الصورة، ثم يطالب بالإنجاز.
هنا يجب أن نقول بوضوح ليس كل ما يحدث بعد الانتخابات مسؤولية السياسي وحده، فالناخب شريك في صناعة المشهد عندما يتنازل عن صوته، أو يبيع اختياره، أو يرفض محاسبة من اختاره.
لكن هذه المسؤولية لا تلغي مسؤولية من استغل المال والنفوذ والحاجة بل تجعل المعادلة أكثر وضوحا فالسياسي الفاسد يحتاج إلى ناخبٍ مستسلم، والناخب الواعي هو أول عقبة أمام السياسي الذي يريد شراءه، وليس المطلوب من السياسي أن يبقى فقيرا كي يكون نزيها وليس المطلوب أن يركب التكتك او يلبس ثوب ممزق بعد فوزه كي يثبت انتماءه إلى الناس.
بل المطلوب شيء أصعب بكثير:
ألا يخلع بعد الانتخابات ثوب المسؤولية.
والمطلوب من الناخب أيضا شيء أصعب:
ألا يخلع بعد الانتخابات ثوب المواطن.
لا تكن مواطنا يوم الاقتراع فقط.
كن مواطنا يوم المحاسبة.
لا تعطِ صوتك ثم تختفي.
لا تنتخب ثم تنسى.
لا تقبل المال ثم تعتبر نفسك خارج المعادلة ولا تجعل حاجتك الآنية سببا في صناعة سلطة قد تدفع ثمنها طويلًا وفي النهاية ليست المشكلة في الثوب الممزق، ولا في عربة التكتك انما المشكلة حين يتحول الثوب إلى قناع، والتكتك إلى مسرح، والفقر إلى سلعة انتخابية، والصوت إلى بضاعة، والوعد إلى خدعة، والبرلمان إلى جائزة، والامتيازات إلى غاية.
لكن المشكلة أيضا حين يتحول الناخب من صاحب قرار إلى مجرد زبون في سوق الانتخابات.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من سؤال السياسي:
ماذا يفعل السياسي بالفقراء؟
بل أيضا:
ماذا يفعل الفقراء بأصواتهم؟
لأن الصوت الذي تبيعه اليوم قد يعود إليك غدا على شكل قرارٍ لا تستطيع شراء تغييره.
والمرشح الذي تمنحه ثقتك لا يملك وحده مسؤولية ما سيحدث بعد الفوز.
أنت تختار… ثم تراقب… ثم تحاسب.
فالسياسي الذي يخدع الناس مسؤول عن خداعه، لكن المواطن الذي يرفض أن يُخدع يملك أقوى سلاح في وجه الشعبوية وشراء الأصوات، وعندها فقط يصبح الوصول إلى البرلمان امتحانا حقيقيا للسياسي والناخب معا، فالسلطة لا يصنعها السياسي وحده؛ يصنعها أيضا الناخب الذي يمنحه إياها.




