الجمعة - 25 سبتمبر 2026
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

محمد صادق الحسيني ||

 

 

قضايا وموضوعات
ليس من السهل أن تكتب عمن تعشق في الله ولله، أبدًا…

فكيف إذا كان عمن عشقه الملايين مثلك من الأحرار، حتى أصبحت أنت نقطة في البحر، بل في محيط العاشقين… مهما اقتربت منه…

ليس كمثله مخلوق أو بشر؛ تكاد تغرق في بحره كلما اقتربت منه…

ويكاد هو أن يرتفع عنك ليقترب من مصاف الأولياء والأئمة الصالحين كلما تعرفت عليه أكثر…

أكاد أجزم، وأنا العبد الفقير لله، والذي لم يتعرف على أئمته الصالحين والمعصومين كما يجب، حيث تعلّم الكبار والباحثون والدارسون… بأنني لطالما رأيت في السيد أنه قطعة، أو قل مقطعًا تاريخيًّا، من جده الإمام أمير المؤمنين علي الكرار (ع)، شكلًا وخَلقًا وخُلُقًا ومسلكًا وسنن حياة…

يكفي أنه حسن الصفات والمواصفات، وأنه نصر الله…

منذ أن كان اسمه يطرق أسماعنا ونحن في العاصمة طهران، يوم كان يتردد على بعض أصدقائنا في قم المقدسة، حين أتاها زاهدًا عازفًا عن المناصب والمقامات في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بأيام الأمانة العامة لرفيق دربه السيد عباس الموسوي، وصولًا إلى تبوّئه منصب الأمانة العامة كُرهًا، كما تحمل الأم جنينها، ثم يصبح ولدها الذي لا ينفك عنها… ونحن نتابع خطواته وآثاره بشغف وشوق، حتى عشقناه وصار صديقًا، بل أخًا، يصعب الفكاك من ظل أخوته، وهو الذي تظلل أخوته على من يتعرف عليه عن قرب، فيصبح كالظل لك، حاضرًا قويًّا وملازمًا، تكاد تحسبه النموذج الغائب الحاضر، فتغبطه على قوة حضوره بينك وفيك وقربك، ليصبح أقرب إليك من نفسك…

مهما كتبت عنه، وأنا الذي كنت أتهيب من ذلك منذ غيبته الجسدية، لن أعطيه جزءًا من حقه… وكيف يكون ذلك وهو الذي اقترنت أفعاله وسلوكياته وآثاره حتى صارت تقترب من جده علي المرتضى، ليصبح عصارة جده في المحراب كما في الميدان…

خلوق يسحر كل من يقترب منه بلطفه وحنانه، حتى تظنه وكأنه لم يُخلق إلا للحب والوفاء ومرهمًا للفقراء والأحرار… شديد البأس والقوى عندما تحين ساعة المبارزة والميدان… حتى تظنه وهو يحدثك أو يسير أمامك وكأنه حاملًا سيف علي، وهو يبارز به الأشرار…

يحدثك عن فلسطين التي يعشق، ولم تغب عنه يومًا، وكأننا وإياه قاب قوسين أو أدنى من التحرير، وهو كذلك بالطبع…

وعندما عرضت عليه يومًا شراء دار ملاصقة للأقصى بدلًا عن تاجر إماراتي كان يريد شراءها من فلسطيني، طلب منا أن يشتريها السيد؛ لأنه يثق بأنها سيعيدها إلى أصحابها، بينما الإماراتي نخاف أنه يريد منحها مجانًا لليهود، كما أسرّ لي ذلك الأخ الفلسطيني، أجابني السيد يومها وبكل ثقة: “لا تقلق، وقل لصاحبك الفلسطيني ألّا يقلق أيضًا، لأننا سنستعيدها قريبًا محررة، دون أن ندفع قرشًا واحدًا؛ لأنها ستعود إليه بثمن دمائنا إن شاء الله”.

عملت معه صحافيًّا وإعلاميًّا وصديقًا وأخًا وتلميذًا في مدرسة الحياة، وهو يتنقل بنا بين علم الثوابت التي لم يغادرها أبدًا، وعلم المتغيرات، أي السياسة التي تعلمها من جده، مفعمةً بالأخلاق، ولكن أيضًا بحكمة: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.

ذاب في الخميني كما ذاب الخميني في الإسلام… فعمل بذلك بنصيحة أستاذه الذي تعلم منه أطروحة “الهيهات” في النجف الأشرف، أعني الإمام محمد باقر الصدر…

وكان التلميذ النجيب للإمام المؤسس، ما جعله يعتنق مدرسة ونهج خليفته وتلميذه النجيب وإمام زمانه الثاني، عنيت به باني دولة الاقتدار الإسلامي، أي الجمهورية الإسلامية، الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي.

لم يطرد أحدًا من خيمته اللبنانية أو العربية أو الإسلامية، حتى كاد الكل يعتبره من حزبه ومن جماعته، فكان بالفعل زينًا للأئمة المعصومين (ع)، ومثالًا لقولهم المأثور: “كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم”.

حضوره أو دخوله معترك السياسة أو الميدان كان بمثابة الفيلق المتكامل، بل وكأنه الجيش المنقذ…

في الحرب النفسية، كما العسكرية أو الأمنية أو التربوية، كان النموذج الأمثل…

حتى مع الزعماء العرب، الحلفاء منهم وهم القلة النادرة، كان نصوحًا إلى درجة الحنية، وبلا مَنّة، متسترًا على عيوبهم حفظًا للود ومن أجل القضية الكبرى…

ومع الأبعاد كان كذلك، يقول لهم أحيانًا قولًا لينًا… كما فعل مع أحدهم، فضرب له التحية علنًا وأمام الملأ، لعلّه يتزكى…

أما المجاهدون من زملائه، والأتقياء والصالحون من رفاقه، فكان كما كان رسول الله مع أصحابه ورعيته: ﴿قُلْ هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾.

وأما مع شعبه وبيئته من عوائل الشهداء والجرحى والأسرى المحررين، فكان يسبح في فضائهم، ويكاد يستحي من كثرة عطائهم، إلى درجة الذوبان من الخجل…

إنه قطعة، بل مقطع تاريخي من حياة أمير المؤمنين، وقد توّجها بالشهادة كابنه الحسين، بعد أن عاش كابنه الحسن.

السيد حسن نصر الله حركة تحرر لبنانية وعربية وإسلامية وإنسانية بكل معنى الكلمة.

إنه حفيد محمد، ونشيد علي، وبشائر عيسى… إنه نصر الله.

ملتقى صوت المقاومة

للنخب الفكرية والإعلامية