الجمعة - 25 سبتمبر 2026

قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ..!

منذ 8 ساعات
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

 السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿سورة آل عمران: 78﴾.

ليس جديدًا ما نراه اليوم من تحريف للحقائق، وجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، والتلاعب بالألفاظ، واجتزاء للنصوص المكتوبة أو المحكية، أو اقتطاع للمشاهد وعزلها عن سياقاتها، بهدف التلبيس على القارئ والمستمع والمشاهد، والتأثير في إدراكه، فهو أسلوب قديم متجدِّد يستخدمه أهل الباطل في صراعهم مع أهل الحق، وقد تطورت أدواته في عصرنا الراهن بفعل التقنيات الحديثة، وسهولة الوصول إلى الناس، واعتماد الناس على تلك التقنيات مصدرًا أساسيًا من مصادر المعرفة، حتى أضحوا عُرضة للغَثِّ والسقيم وغير المفيد. لا ينجو من ذلك إلا شخص استنار بضياء المعرفة الحقيقية، واعتمد منهجًا سليمًا للتثبُّت مما يرد عليه، قبل أن يصدقه ويؤمن به.

هذه الآية الكريمة واحدة من طائفة من آيات القرآن الكريم تصدَّت للكشف عن التحريف والتأويل الخاطئ، بوصفهما وسيلة لتشكيل الوعي في عقول المستهدفين، يجعلهم يظنون الباطل حقًا، والحق باطلًا، ثم ينسب ذلك إلى الله تعالى، أو إلى الرسول والأئمة الأطهار (ع)، أو إلى القادة الربانيين، أو الجماعة المؤمنة.

إن التجربة الإنسانية الطويلة تؤكد لنا أن المحرِّفين لا يُقَدِّمون الباطل على أنه باطل، لأن الأغلبية العظمى من الناس لا تتقبل الباطل إذا ما عرفته باطلًا، ولذلك يلجأ المحرِّفون إلى كتمان الحق والحقائق إن قدروا على ذلك، فإن لم يمكنهم كتمانه لجأوا إلى لبس الحق بالباطل، حتى يشتبه الحال على المستهدَفين، فيبدو الباطل في صورة الحق، وذلك أن الإنسان غالبًا ما يتعامل مع الوقائع من خلال الصورة التي تُرسم عنها في ذهنه. ومن هنا كان التلاعب بالحقيقة تلاعبًا بإدراك الإنسان، وكان تحريف النصوص والمشاهد من أخطر وسائل السيطرة على الوعي.

وهذا ما تؤكِّده الآية الكريمة بالإشارة إلى أولئك الذين (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ). والليّ هو الإمالة عن الاستقامة، مِمّا يعني أن الكلام لا يؤدَّى على وجهه الطبيعي، وإنما يُمالُ ويُلوى عنقه، ويُحرَّف في طريقة النطق أو التلاوة أو الأداء، حتى ينشأ لدى السامع انطباع بأن ما يسمعه هو النص الحقيقي، بينما هو في الحقيقة شيء آخر.

وهذا ما عرضنا له في مقالة سابقة عند تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ﴿سورة البقرة: 104﴾.

وقلنا هناك: كانت كلمة “راعنا” في الاستعمال العربي تعني: أمهلنا، أو التفت إلينا، أو استمع إلينا. وكان المسلمون يخاطبون بها رسول الله (ص) طلبًا للتمهُّل في الحديث حتى يفهموا عنه. غير أن بعض اليهود كانوا يتعمَّدون استعمالها على وجه يحمل معنى السخرية أو الانتقاص، مستغلين تقارب اللفظ في لغتهم أو اختلاف طريقة أدائه.

وعلى كل حال فقد يكون الليّ في اللفظ، وقد يكون في النطق، وقد يكون في طريقة عرض النص وتأويله حتى يُحمل على غير مراده. فالتحريف لا يتحقق باستبدال كلمة مكان كلمة دائمًا، إذ قد تبقى الكلمات كما هي، لكن يُساق النص في سياق مضلِّل، أو يُجتزأ من موضعه، أو يُحمّل من المعاني ما لا يحتمل، أو تُخفى قرائنُه، أو تُبرز منه زاوية واحدة حتى تتكون لدى المتلقي صورة مخالفة لحقيقته.

وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. فالذي يلوي عنق الكلام يريد أن يجعل المتلقي يتلقى الخطأ على أنه هو الصحيح.

وهنا يكمن الخطر في (لَيِّ الكلام) لأن الإنسان إذا عرف أن القول صادر عن إنسان مثله أمكنه أن يناقشه ويرفضه، أما إذا ظن أن القول صادر عن الله، فإنه سيتعامل معه بوصفه حقيقة مقدسة لا يجوز ردها، مما يجعل الباطل محصَّنًا من النقد.

ثم تأتي الخطوة الأخطر: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. فهم ينتقلون إلى إضفاء قداسة إلهية على ما يختلقونه بإرادتهم.

وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث في التعامل مع النصوص الدينية، لأن الإنسان قد يختلف مع إنسان، لكنه لا يجرؤ على الاختلاف مع الله.

فإذا نجح شخص في أن يجعل رأيه يبدو كأنه حكم الله، فقد منح رأيه سلطة قاهرة تتطلب الإذعان من المتلقي.

وهنا تتضح خطورة الذين يتحدثون باسم الدين دون أمانة علمية. فقد يصبح النص عندهم مادةً قابلة للتطويع وفق المصلحة أو الهوى أو ضغط الواقع، ثم يُقدَّم هذا التأويل المنحرف للناس على أنه مراد الله. ولهذا قال رسول الله (ص): “مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”. لأنه يكون قد كذب على الله وهو من أخطر موارد الكذب وأفحشها.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 25/9/2026 الساعة (05:19)