الجمعة - 25 سبتمبر 2026

العراق و فوبيا ليث شبر من (الأيرنة)..!

الجمعة - 25 سبتمبر 2026

رياض البغدادي ||

 

 

يبدو أن السياسة العراقية دخلت أخيراً عصر الصناعات اللغوية الثقيلة، لبننة ثم أيرنة ثم بلقنة وربما نستيقظ غداً على مصطلح جديد من قبيل صوملة العراق أو حتى أفغنته، ليكتمل معجم الدكتور ليث شبر، ونكتشف أن المشكلة العراقية كلها لم تعد تحتاج إلى تاريخ ووثائق وموازين قوى، وإنما إلى معجم لمصطلحات الفوبيا التي يبثها ذيول امريكا في العراق .

مقال الدكتور ليث شبر الموسوم (العراق من اللبننة الى الايرنة الى البلقنة) يبدأ بداية صحيحة ثم يبذل جهداً لافتاً كي يهرب من نتيجتها.

فهو يقرر أن النظام الذي نشأ بعد عام 2003 قام منذ خطواته الأولى على توزيع السلطة وفق المكونات، وأن مجلس الحكم تشكل في ظل الاحتلال الأميركي على أساس التوازن الإثني والطائفي، وهذه ليست مسألة تخمين، والظاهر ان شبر لا يحمل الامريكان مسؤولية تكوينها خاصة وان ذلك يتغنى به معهد السلام الأميركي من خلال دراسات وثقت ذلك عندما يعلنون بكل قباحة في إن التوازن الطائفي والإثني كان معياراً واعياً في تشكيل مجلس الحكم والقيادة الجديدة التي وضعتها سلطة الائتلاف المؤقتة.
جميل.

إذن عرفنا من أسس البيت وعرفنا من يتحمل مسؤولية كل الخراب الذي نتج عنه.
لكن ما إن يصل الكاتب إلى إيران حتى تحدث المعجزة وتختفي الأفعال الأميركية بقدرة قادر، وتتحول إيران وحدها إلى البعبع المخيف، حيث تغلغلت ثم توغلت ثم تغولت .

أما الولايات المتحدة التي احتلت العراق، وحلّت مؤسسات الدولة، وأدارت المرحلة الانتقالية، وأشرفت على بناء النظام السياسي الجديد، فهي في الرواية لا تكاد تفعل شيئاً سوى أنها سمحت لإيران!

أي إن المحتل صاحب الدبابات والقواعد والسلطة الفعلية يتحول فجأة إلى متفرج ساذج، بينما الدولة المجاورة تتحول إلى الساحر الذي اخترق كل شيء.

إنها طريقة مريحة جداً في كتابة التاريخ: يحتل الأميركي العراق، ويعيد تشكيل نظامه السياسي، ويؤسس نموذج التمثيل المكوناتي، ثم عندما تظهر نتائج الخراب بعد سنوات نقول: إيران هي السبب؟

أما القول إن الدستور العراقي لم يفرض تقاسم الرئاسات بين الشيعي والسني والكردي فهو صحيح، فالدستور العراقي يؤكد أن العراقيين متساوون أمام القانون من دون تمييز بسبب القومية أو الدين أو المذهب.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً للمقال: إذا كان نظام المحاصصة لم تصنعه مادة دستورية عراقية، وانما ولد تحت الاحتلال الأميركي، فلماذا يصبح عنوان المشكلة بعد بضعة أسطر «الأيرنة»؟

طبعاً لا معنى لإنكار أن لإيران نفوذاً كبيراً على قلوب العراقيين، هذا واقع اظهره نزول ملايين العراقيين الى الشوارع لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، تاركين حياتهم واعمالهم، ليفوزوا بإلقاء النظرة الاخيرة على جثمان الولي الشهيد القائد خامنئي.

فهل من الانصاف تحميل هذا النفوذ القلبي والروحي، علل العراق التي اساسها النظام المحاصصاتي الذي جلبته امريكا يا دكتور شبر ؟!

فإذا كان ارتباط حزب عراقي بطهران دليلاً على (الأيرنة) فبأي مصطلح نصف ارتباط قوى عراقية بواشنطن؟
وإذا كان اللقاء بطهران انتقاصاً من السيادة، فما الاسم العلمي السياسي للفيتو الامريكي على تنصيب رئيس الوزراء وفقاً للمعادلة التي افرزتها صناديق الانتخابات الاخيرة في العراق؟!
وإذا كان السلاح الذي يتقاطع سياسياً مع المشروع الإيراني دليلاً على ارتهان خارجي، فهل تصبح القواعد العسكرية واستباحة الاجواء العراقية واتخاذ العراق منطلقاً للهجوم على دول الجوار، نشاطاً ثقافياً او سياحياً مثلاً؟
المشكلة ليست في نقد إيران، فنقد أي دولة هو من صلب حرية التعبير،لكن المشكلة في الميزان الذي يُخرج من جيبه كيلو غرام عندما يزن إيران، ثم يتحول فجأة إلى ريشة عندما يصل إلى الولايات المتحدة.
ثم نصل إلى (البلقنة).
ماركو روبيو قال بالفعل في 23 أيلول 2026 إن واشنطن تريد جمع السلاح تحت سلطة الحكومة العراقية كي لا تبقى في البلاد (قوى مستقلة) تؤدي إلى بلقنتها، أي أن العبارة وردت في سياق دعوته إلى إنهاء استقلال الجماعات المسلحة عن الدولة.
لكن (مقال السيد شبر) يتعامل مع كلمة (البلقنة) كما لو أن وزير الخارجية الأميركي أخرج خريطة سرية من جيبه، ثم يتراجع سريعاً ليقول: لا، أنا لا أقول إن هناك خطة أميركية للتقسيم!
إذن لماذا كل هذه الموسيقى التصويرية؟
إذا لم يكن التصريح دليلاً على مشروع تقسيم، فلا يصح بناء إيحاء كامل حوله ثم الاحتماء في النهاية بجملة: (لا أقول إن هناك خطة).
أما أغرب ما في المقال فهو رسم إيران وكأنها قوة هبطت على العراق من كوكب مجهول بعد 2003.
إيران والعراق دولتان متجاورتان بينهما أكثر من ألف كيلومتر من الحدود، وبين شعبيهما علاقات دينية واجتماعية وتجارية وتاريخ سياسي شديد التعقيد، كما أن طهران استضافت وساندت لسنوات طويلة جماعات عراقية كانت معارضة لصدام ابن ابيه، وهي حقيقة سبقت الاحتلال الأميركي بسنوات طويلة، وبعد 2003 عادت تلك القوى نفسها إلى العراق ضمن النظام السياسي الجديد.
هل كان متوقعاً مثلاً أن تختفي تلك العلاقات عند منفذ الشلامجة احتراماً لنظرية (الفوبيا الشبرية) ؟
ثم إن مرحلة داعش التي تمر عليها بعض القراءات مروراً سريعاً ليست تفصيلاً، دراسات ناقدة أصلاً للنفوذ الإيراني تقر بأن إيران قدمت دعماً للعراق في مرحلة شديدة الخطورة، انهيار فيها ثلث مساحة العراق عند صعود تنظيم داعش، وأن ذلك عزز صورتها لدى قطاعات شعبية عراقية لم تكن متآلفه مع ايران أصلاً.
يمكن مناقشة السياسة الإيرانية وانتقادها كما نشاء، لكن حذف هذه الوقائع ثم اختزال عشرين عاماً بكلمة (الأيرنة) ليس تحليلاً، وانما هو دعوة متعمدة لتغييب الذاكرة، بحيث تتذكر ما يخدم الأطروحة وتصاب بفقدان ذاكرة انتقائي أمام الباقي.
والأطرف أن المقال يريد دولة عراقية مستقلة القرار، وهذا هدف لا يكاد يختلف عليه اثنان، لكنه يقدّم الاستقلال بطريقة غريبة، فيعتبر ان فك الارتباط بطهران يسمى (استعادة للسيادة)، بينما لا يُطرح بالمقدار نفسه سؤال الاستقلال عن واشنطن وعن بقية القوى الإقليمية والدولية.
السيادة التي تعمل في اتجاه جغرافي واحد ليست سيادة يا دكتور شبر، وانما هي بوصلة سياسية امريكية وجهتك وكثير غيرك للترويج لها.
ومن يريد فعلاً عراقاً لا إيرانياً ولا أميركياً، فعليه أن يبدأ من قاعدة بسيطة:
لا تجعل التدخل الأميركي (علاقات دولية)، والتقارب مع ايران (احتلالاً مقنعاً)، ثم تطلب من القارئ أن يسمي ذلك تحليلاً متوازناً.
العراق لا يحتاج إلى (الأيرنة)، بالتأكيد، لكنه أيضاً لا يحتاج إلى (الأمركة) التي يريد ان يزجنا بها الدكتور شبر وامثاله من الابواق الامريكية في الاعلام العراقي.
العراق لا يحتاج إلى كاتب يضع عدسة مكبرة أمام الحدود الشرقية، ثم يخلع نظارته عندما يتعلق الامر بمطالبات السفارة الأميركية المتعالية.
إذا أردنا دولة فعلاً، فلنضع الجميع تحت المعيار نفسه، حينها فقط يصبح الحديث عن السيادة حديثاً جدياً، لا مجرد مصطلح آخر نضيفه إلى سلسلة (اللبننة والأيرنة والبلقنة).
أما إذا كانت القاعدة هي أن كل نفوذ إيراني مؤامرة، وكل نفوذ أميركي ظرف دولي، فالمشكلة ليست في إيران ولا في أميركا، المشكلة فيك ومن على شاكلتك يا دكتور ليث.
قال تعالى: “قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ” الانعام 104.