هل تتجه الأمور في الشرق الأوسط نحو التهدئة؟ تقلب ترامب على المحك والاختبار..!
بهاء الدين الغزي ||

ذكرنا في مقالٍ سابق أن أحد السيناريوهات سيكون ميل ترامب إلى التهدئة في الشرق الأوسط وخصوصاً في حربه على الجمهورية الإسلامية، وتطبيق سياسية الإحتواء وتوجيه أوامره للسعودية بتحمُّل تبعات تخبطاتها السياسية وعدم التصعيد وزيادة احتقان الوضع في الشرق الأوسط .
وما جرى في نيويورك البارحة في الجمعية العامة للأمم المتحدة يؤكد كلامنا ، وعلى الرغم من أننا – بل الكون كله – لا يستطيع أن يعطي ضماناً بنسبة 1% بثبات موقف ترامب على حاله ، وعلى ما يبدو أن طلبه ليلة البارحة من الجمهورية الإسلامية “إبرام صفقة” هو محاولة للإلتفاف على الأوضاع المتّجهة للإنفجار في أمريكا بسبب إرتفاع أسعار البنزين والوقود التي بسببها ارتفعت الضرائب، ومحاولة الظّهور بمظهر المنتصر مع الجمهورية الإسلامية قبل الانتخابات النصفية ، بعد أن عقد (بحسب مسؤولٍ أمريكي) اجتماعاً مع الوفد الإيراني استغرق ثلاث ساعات، وكان “جيداً”، وهو في الوقت نفسه يترك السعودي يلاقي أنصار الله الحوثيين وحيداً ! بعد خسارته سلاحاً يقدر بعشرة مليارات دولار بشكلٍ مخزٍ في اليمن .
إن التصوّر الأمريكي يرتكز على المصالح الآنية، فأينما تصب مصلحة “ترامب” فإنّه يوجّه كلّ تفكيره تجاهها، ولذلك فإنّ من أدبيات المصلحة الأمريكية الآن أنْ يترك السعودية تُلاقي مصيرها ويعقد صفقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران ويُهدئ الموقف، بيد أنه لاقى موقفاً صارماً منها حينما انسحب الوفد الإيراني من قاعة الاجتماع بعد أن ارتقى ترامب المنصة! وهذا الموقف يمكن قراءته بأكثر من دلالة أبرزها أن الوفد الإيراني ما زال على موقفه الحازم من حالة اللاسلم واللاحرب كما يسمُّونها، أي من المفاوضات الجارية والحرب في الوقت نفسه .
يمكن القول إنَّ في عدم وقوف ترامب مع ابن سلمان في حربه على اليمن سبباً يتلخص في امتعاضه من عدم كفاءته في إلخروج بنتيجة مع أنصار الله الحوثيين خلال فترة التصادم هذه، وعلى الرغم من تزويد السعودية بأكثر الأسلحة الأمريكية فتكاً فإنه صدم بكميات الأسلحة التي تركها أذناب الجيش السعودي ومرتزقته في اليمن هاربين بلا عودة، إذ تجاوزت عشرة مليارات دولار ! وهو مبلغ طالما دفعه السعودي بسخاء للأمريكي ليعيش بوهم الحليف وأنه مصون الجانب، ولا يصل إليه أحد ..! وهذا الأمر أثار حنق ترامب وأصبح يلمح لانصار الله بأننا لن نستهدفكم فلا تستهدفونا ..! فهو يريد سد ثغرة اليمن التي أصبحت بابا من أبواب جهنم عليه وعلى السعودي، أو على الأقل غض النظر عنها لحين الانتهاء من إتمام “الصفقة” مع الجمهورية الإسلامية! وهو يعلم جيداً أن الإيراني لا يعطيه من الالتزامات معه إلا بقدر ما يعطي هو وربما أقل !
من جهة أخرى فإنه يريد توجيه أنظار حكومته والشعب الأمريكي إلى قضيتين:
الأولى: الاتفاق على جزيرة غرينلاند بوصفه إنجازاً عسكرياً كبيراً حين اتفق مع رئيسة الوزراء الدنماركي ونظيرها الغرينلاندي بعد أشهر من التهديد والضغوط، لنشر قواعد أمريكية هناك، خاصة وأن الجزيرة تمثل ركيزة أساسية في مشروع “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي الذي اقترحه لمواجهة الأسلحة الفرط صوتية .
الثانية : نفط فنزويلا ، الذي أصبح ضمن الخزين النفطي الأمريكي ، فهو يخفف الضغط على النفط الأمريكي الصخري عالي كلفة الاستخراج في حال نشوب حرب جديدة مع الجمهورية الإسلامية، خاصة وأنه منخفض الكلفة (حوالي خمسين دولاراً لاستخراج البرميل الواحد، مقابل سبعين دولاراً للنفط الأمريكي الصخري) ، ولذلك فحتى لو اشتعلت الحرب من جديد فإن ارتفاع سعر النفط لا يؤثر – في نظره – على الاقتصاد الأمريكي ، ولهذا السبب ذكرنا أنه لم يكترث للنفط السعودي وترك السعودية تلاقي صواريخ أنصار الله وحيدةً .




