عزت حسن علي الشابندر بعد 23 عامًا.. لو امتلكتُ عقليتي اليوم لما شجعت على إسقاط صدام..!
كاظم الطائي_ Nor ||

بعد 23 عامًا على سقوط نظام صدام حسين، يتوقف عزت حسن علي الشابندر عند التجربة العراقية من زاوية مختلفة، ويقول، بمعنى واضح، إنه لو كان يمتلك العقلية التي عليها اليوم آنذاك، لكان رأيه أن بقاء صدام أفضل من إسقاطه.
وأنا هنا أختلف معه في هذه النتيجة، وإن كنت أتفهم تمامًا المرارة التي أفرزتها تجربة العراق خلال السنوات التي تلت سقوط النظام.
أما إسقاط نظام صدام، فأراه ضرورة، ولا أرى في مرور 23 عامًا ما يدفعني إلى التراجع عن هذا الموقف. لكن ضرورة إسقاط النظام لا تعني أن ما جاء بعده كان صائبًا؛ فقد كانت أخطاء من تولوا إدارة العراق بعد سقوط النظام قاسية وقاهرة، ولم تكن القيادات التي تصدرت المشهد على مستوى المرحلة، ولا بحكمة التحول الذي وجد العراق نفسه أمامه.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن نتجاهل أن سقوط النظام تحقق بفعل التدخل العسكري للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، تحت عنوان تحرير العراق وإسقاط الدكتاتورية. لكن ما جرى بعد سقوط النظام جعل من الصعب النظر إلى الأمر باعتباره مجرد عملية لتحرير العراق وبناء دولة مستقلة؛ فقد سعت الولايات المتحدة إلى تكريس نفوذها داخل العراق والتأثير في قراره السياسي والسيادي، وكان لها حضور واسع في إدارة المرحلة الانتقالية وفي الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين لا ينبغي الخلط بينهما_ رفض نظام صدام لا يعني قبول الهيمنة الأمريكية، كما أن رفض الاحتلال والتدخل الخارجي لا يعني الندم على إسقاط النظام.
كان إسقاط النظام مسألة، وما فعلته الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاطه مسألة أخرى. فالولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة عما فرضته على العراق في مرحلة ما بعد السقوط، من خلال تدخلها في تشكيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، ومحاولتها التأثير في القرار العراقي وسيادة الدولة.
لكن ذلك لا يعني أن العراقيين الذين تسلموا مسؤولية إدارة البلاد كانوا مجرد ضحايا لما جرى؛ فقد أصبحت إدارة العراق، بعد سقوط النظام، مسؤوليتهم أيضًا، وكان عليهم أن يمتلكوا القدرة على حماية القرار الوطني وبناء مؤسسات الدولة، بدل أن تتحول هشاشة المرحلة وانقساماتهم إلى أبواب يتسلل منها النفوذ الخارجي.
ومن هنا، فإن نقد ما جرى بعد سقوط صدام لا ينبغي أن يتحول إلى تحميل الخارج وحده مسؤولية كل ما حدث،
كما لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى إعفاء من يُطلَق عليهم «القيادات العراقية» من مسؤوليتهم عمّا جرى.
وهذا ليس افتراءً على أحد، ولا محاولة لتحميل الآخرين ما لا يحتملون، بل هو اعتراف بما كشفته التجربة نفسها، وبما أقرّ به كثير ممن كانوا رجال معارضة وأصبحوا لاحقًا في مواقع الحكم، عن تجربتهم في إدارة الدولة.
فهناك فرق كبير بين أن تكون رجل معارضة يجيد مواجهة النظام، وبين أن تكون رجل دولة قادرًا على بناء المؤسسات وإدارة مجتمع ودولة بكل تعقيداتها.
لقد كنا رجال معارضة، لكننا لم ننجح جميعًا في التحول إلى رجال دولة.
وهذه، في تقديري، واحدة من أكبر مشكلات مرحلة ما بعد سقوط صدام. فقد بقيت عقلية المعارضة حاضرة في إدارة الدولة، وتحول الخلاف الذي كان يمكن أن يكون طبيعيًا داخل المعارضة إلى صراع على النفوذ والحصص والمواقع.
لم تكن المشكلة في أن هؤلاء عارضوا صدام، بل في أن كثيرًا منهم لم يمتلكوا الحكمة السياسية والمؤسسية الكافية لإدارة دولة بحجم العراق وتعقيداته.
كما أن المعارضة نفسها لم تدخل مرحلة ما بعد السقوط وهي موحدة على مشروع واضح للعراق. كانت منقسمة، ومثقلة بصراعاتها، وتفتقر إلى قيادة جامعة تستطيع أن تحول لحظة سقوط النظام إلى بداية حقيقية لبناء الدولة.
وهنا دخلت الولايات المتحدة، التي كان عزت حسن علي الشابندر يصفها بـ«الشيطان الأكبر»، إلى المشهد. ولا أختلف معه في توصيفه لموقفه منها من حيث المبدأ، لكن من الإنصاف أيضًا أن نضع أمام أعيننا ثغرات المشهد العراقي نفسه.
لقد استغلت الولايات المتحدة ضعفنا وانقسامنا، كما استغلت قوى ودول أخرى هشاشة المرحلة، فأصبح تأثير الخارج في الداخل أكبر من قدرتنا على التحكم بمصير بلدنا.
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حدث لا يعفينا نحن من مسؤوليتنا.
فالذين تولوا الحكم بعد صدام، وإن اختلفوا عنه في الأدوات والوسائل، لم يتخلصوا جميعًا من بعض الآفات التي أضعفت الدولة؛ من الاستئثار والجشع، وتقديم المصلحة الحزبية والشخصية على المصلحة العامة.
تغيرت الوجوه، وتغيرت الشعارات، وتغيرت الأدوات، لكن بعض السلوكيات بقيت.
لقد تعاملنا مع سقوط النظام وكأنه نهاية المعركة، بينما كانت المعركة الحقيقية قد بدأت: معركة بناء الدولة والحفاظ على العراق.
وهنا يحضر درس معركة أُحد.
فعندما ظن بعض المسلمين أن المعركة قد حُسمت، وانشغل بعضهم بالغنائم وتركوا مواقعهم، استغل الخصم ذلك الخلل وقلب مسار المعركة. والعبرة التي أراها في تجربتنا ليست في تشبيه الأشخاص أو الظروف، وإنما في الدرس: حين ينشغل أصحاب القضية بالغنيمة قبل أن تكتمل المعركة، ويتركون مواقع المسؤولية والانضباط، فإنهم يمنحون خصومهم فرصة لا يحتاجون معها إلى أن يكونوا أقوى.
وهذا ما حدث، بصورة مختلفة، بعد سقوط صدام.
فبدل أن يكون الهدف الأول هو بناء دولة قوية ومؤسسات قادرة على حماية العراق، دخلت شهوة السلطة والمصالح إلى المشهد، وتحول الصراع من سؤال: كيف نبني العراق؟ إلى سؤال: من يملك الحصة الأكبر منه؟
حتى أصبح تعبير «الكعكة» حاضرًا في وصف تقاسم السلطة والنفوذ والمصالح.
لقد سقط نظام، لكننا لم نسقط بالكامل العقلية التي تجعل السلطة غاية بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس.
وانشغلنا بأعدائنا في الخارج، بينما لم نمتلك دائمًا الشجاعة الكافية للنظر إلى أخطائنا في الداخل.
المشكلة ليست فقط أن نعرف خصومنا، وإنما أن نمتلك القدرة على أن نصحح مسارنا.
فالعدو الخارجي لا يستطيع أن يدخل من باب مغلق، لكنه يستطيع أن يدخل من الثغرة التي نصنعها نحن.
وبعد أن أصبحت السلطة، لدى بعض القوى، غنيمة، وجد «الشيطان الأكبر» مدخلًا إلى هذه النفوس. ولم يعد تأثيره يحتاج دائمًا إلى السلاح؛ ففي مراحل لاحقة، أصبحت إشارة أو تغريدة على «تويتر» قادرة، في بعض الأحيان، على إرباك الحسابات وإعادة ترتيب المواقف.
وهنا تكمن المفارقة:
من خرج لمواجهة «الشيطان الأكبر» أصبح، بعد سنوات، يتأثر بإشارة منه.
ولهذا فإن مراجعة تجربة 23 عامًا لا ينبغي أن تقودنا إلى الندم على إسقاط صدام، كما لا ينبغي أن تدفعنا إلى تبرير ما جرى بعد سقوطه.
المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك.
كان إسقاط النظام ضرورة، لكن إسقاط النظام كان خطوة، أما بناء الدولة فكان المعركة الأصعب.
لقد كانت القدرة على إسقاط النظام متاحة، لكن الحكمة اللازمة لبناء الدولة لم تكن بالمستوى نفسه.
وهنا يكمن جوهر المشكلة التي يجب أن نعترف بها بصدق: لم تكن كل قيادات المعارضة التي وصلت إلى الحكم رجال دولة، لأن المعارضة شيء، وإدارة الدولة شيء آخر.
وبعد 23 عامًا، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس: لماذا شاركنا الولايات المتحدة الأمريكية في إسقاط صدام؟ ولا حتى: ماذا كان سيحدث لو بقي؟
بل _ لماذا لم نستطع، بعد سقوطه، أن نبني العراق الذي خرجنا من أجله؟
ذلك هو السؤال الأصعب؛ لأنه لا يسمح لنا بإلقاء كل المسؤولية على الخارج، ولا يمنحنا فرصة الاختباء خلف أخطاء الآخرين.
إن مراجعة 23 عامًا لا تعني إعادة كتابة التاريخ، ولا تعني تبرئة من أخطأ، ولا تعني العودة إلى الماضي بحثًا عن نظام كان سقوطه ضرورة.
بل تعني أن نمتلك شجاعة الاعتراف بالحقيقة كاملة:
كان إسقاط نظام صدام ضرورة، لكن إدارة العراق بعده كانت مسؤوليتنا. وأكبر ما أخفقنا فيه أننا لم ننتقل كما ينبغي من رجال معارضة إلى رجال دولة.
فالمشكلة لم تكن في إسقاط نظام، وإنما في أننا لم ننجح، بعد سقوطه، في بناء الدولة التي كان ينبغي أن تأتي بعده.




