الجمعة - 25 سبتمبر 2026

البوصلة التائهة: من «المنتصف الحرج» إلى عقيدة إستراتيجية عراقية..!

منذ يومين
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

يواجه الفضاء السياسي والفكري للشيعة في العراق معضلة بنيوية غير مسبوقة في تاريخهم الحديث. لم تعد الأزمة في كيفية إدارة السلطة أو تقاسم المغانم، بل في العجز عن تعريف «الوجهة الإستراتيجية النهائية». تقف النخبة الشيعية أمام أربع بوصلات متنافرة: الانكفاء الداخلي (العراق أولاً)، والانخراط في النظام الدولي، والذوبان في «محور المقاومة»، أو الارتماء في الحضن والعمق العربي.

هذا التشتت يطرح السؤال الأهم: متى تتحدد الوجهة؟ وما هي تكلفة البقاء في منطقة «المنتصف»؟. تاريخياً، ساد وهم سياسي مفاده أن الوقوف في المنتصف، أو ممارسة «التوازن السلبي» بين المحاور، هو قمة الذكاء الدبلوماسي. لكن الحقيقة الإستراتيجية المعاصرة تثبت أن هذا الموقف هو الأغلى كلفة. السياسة الدولية لا تحترم الفراغ، والوقوف في المنتصف لبلد يمتلك ثقلاً جيوسياسياً ونفطياً وثقافياً كالعراق يعني التحول إلى «ساحة تصفية حسابات» بدلاً من كونه «لاعباً».

والشيعة في العراق يدفعون اليوم ضريبة هذا التردد: نزيف سيادي مستمر، واقتصاد ريعي معلق برضا الخزانة الأمريكية، واختراق أمني وسياسي مستدام، وفقدان للهوية الوطنية الجامعة. لكن قبل البحث عن الوجهة، يجب طرح سؤال أكثر إلحاحاً:

من يملك شرعية تعريف «المصلحة العليا»؟، لا يمكن أن يكون فاعل واحد؛ لا المرجعية الدينية وحدها، ولا الحكومة وحدها، ولا الزعامات الميدانية وحدها.

المصلحة الوطنية ليست نصاً مقدساً، بل نتيجة توافق مؤسسي. وغياب هذا التوافق هو جزء من الأزمة، وليس مجرد غياب «المايسترو الوطني». و الحديث عن «بوصلة شيعية» واحدة قد يعيد إنتاج المنطق الطائفي الذي ننتقده.

الشيعة في العراق ليسوا كتلة واحدة، بل طيف واسع: من العلماني إلى الإسلامي، ومن القومي إلى العابر للحدود، ومن الطبقة الوسطى الحضرية إلى الريفية الجنوبية. لكلٍّ مصالحه ومرجعياته. أي عقيدة إستراتيجية يجب أن تدير هذا التعدد لا أن تلغيه.

و لا يمكن رسم بوصلة إستراتيجية في ظل إقتصاد ريعي تابع. الإعتماد على النفط والدولار ، يجعل أي «استقلال استراتيجي» شعاراً فارغاً. و التحول من «التابع» إلى «المركز» يبدأ من الإقتصاد: تنويع الإيرادات، إصلاح مالي، سيادة غذائية وطاقية.

البوصلة لا تُصنع في الفراغ، بل في ظل بنية إقتصادية قادرة على الصمود. أن القراءة الأكثر عمقاً وذكاءً للمشهد، تتطلب تجاوز الطروحات التقليدية (محور ضد محور).

الذكاء السياسي الحقيقي يكمن في إدراك أن «البوصلات الأربع» الحالية ليست خيارات إيديولوجية يجب الإنحياز لأحدها وإلغاء الأخرى، بل هي عناصر تركيبة كيميائية واحدة أساءت النخبة الحالية خلطها.و الوجهة الحقيقية يجب أن تتحدد عبر صياغة «عقيدة إستراتيجية عراقية-شيعية» تنتقل من دور «التابع أو الساحة» إلى دور «المركز والمحور».

لكن هذا الإنتقال لا يحدث بقرار نخبوي، بل يحتاج آلية انتقالية: مؤسسات جامعة، جيش وطني محترف، دبلوماسية إقتصادية واعية ، وإدارة وطنية للتعدد.

إن تحديد الوجهة الشيعية في العراق لن يتم بقرار نخبوي مفاجئ، بل تفرضه استحقاقات (قادمة) لا يمكن التهرب منها، أبرزها لحظة التحول الحتمي في شكل النظام الإقليمي، سواء عبر تسوية كبرى أو مواجهة شاملة بين المحاور.

حينها، لن يمتلك العراق رفاهية «اللا-موقف».أما تكلفة تحديد الوجهة (إذا بُنيت على أساس المركزية العراقية) فقد تكون باهظة على المدى القصير في مواجهة قوى الأجنحة الإقليمية والدولية، لكنها الضمانة الوحيدة لإنقاذ مستقبل الشيعة «كأغلبية حاكمة ومسؤولة عن بقاء العراق».

ونعتقد أن حان الوقت لكسر بوصلات التشتت، وصناعة بوصلة عراقية خالصة، تتحرك نحو الجهات الأربع وفقاً لمصلحة بغداد ومستقبل أجيالها. البوصلة العراقية الخالصة لا تعني الانغلاق، بل تعني القدرة على الحركة في كل الاتجاهات دون أن يتحول العراق إلى ساحة.
و المايسترو الوطني لا يولد من فراغ؛ يحتاج مؤسسات، واقتصاداً، وسيادة. وتكلفة البقاء في المنتصف هي التآكل الداخلي المستمر وضياع فرصة تاريخية لبناء دولة مستقرة. أما تكلفة تحديد الوجهة، فهي مخاض الولادة، لكنها الولادة الوحيدة الممكنة.