اتفاق بكين… حدود التهدئة والمصالح الاستراتيجية..!
د. طالب الشوكة ||

اتفاق بكين ليسيس تحالفاً استراتيجياً” يُنهي التنافس الإقليمي بين الرياض وطهران انما مسار سياسي ودبلوماسي لتهدئة التوترات المباشرة. ويعكس الفجوة الجوهرية بين مفهومين متناقضين للاستقرار والنفوذ لدى البلدين، حيث يبرز مضيق باب المندب كـ اختبار حقيقي لحدود هذه المصالح. تعد سلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ضرورة مهمة في الاستراتيجية الاقتصادية للرياض (رؤية 2030).
وتعتمد السعودية على استخدام ميناء ينبع والأنبوب الممتد من الشرق إلى الغرب لتصدير النفط بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز، مع ضخ استثمارات هائلة في مشاريع الساحل الغربي الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر. وتسعى الرياض، عبر سياسة تصفير المشاكل الإقليمية، و توفير بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية. ومن هذا المبدأ ، تتطلع إلى التزام جاد ببنود المصالحة ينعكس في الحد من قوة أنصار الله، ووقف تمويلهم بالأسلحة والتقنيات العسكرية التي تهدد أمن الحدود والممرات المائية (وفق القراءة السعودية).
في المقابل، ترى طهران في مضيق باب المندب ورقة ضغط استراتيجية ومكملاً لنفوذها في مضيق هرمز. فتهديد الحركة البحرية أو تعطيلها يمنح إيران أداة للمناورة ودفع الضغوط الدولية عنها، دون النظر للتأثير السلبي المباشر على الأمن الاقتصادي لدول الخليج. و طهران تؤكد أن أنصار الله مستقلون في قراراتهم السياسية والعسكرية، ما يتيح لها الاحتفاظ بورقة باب المندب للتصعيد دون الإعلان المباشر عن خرق اتفاق بكين. ترتبط أولويات طهران بالمواجهة الاستراتيجية الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لذا فإن تحريك جبهة باب المندب يُعد بالنسبة لها أداة لفرض معادلة ردع دولية، حتى لو تعارض ذلك مع متطلبات الاستقرار التي تتطلع إليها الرياض.
وترى طهران أن اتفاق بكين نصّ على عدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل، لكنه لم يتضمن التزاماً إيرانياً بالقضاء على نفوذها الإقليمي أو التخلي عن حلفائها. وتعتبر الضغط عليها في هذا الملف تدخلاً في أوراق قوتها، مشددة على أن مواقف حلفائها في البحر الأحمر ترتبط بصراعات أخرى (مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو التواجد العسكري الغربي)،
ولا يجب أن يُحسب ذلك كخرق للاتفاق الثنائي. كما تعزو طهران التوتر في البحر الأحمر إلى وجود التحالفات العسكرية الأجنبية (مثل القوات الأمريكية والبريطانية وبعثة “أسبيدس” الأوروبية)، وترى أن أمن الممر يجب أن يُدار بواسطة الدول الإقليمية فقط، معتبرة أن أي تنسيق سعودي مع ترتيبات أمنية غربية يضر بروح حسن الجوار. يرتبط أمن الملاحة في باب المندب بمصالح الصين الاقتصادية والتجارية الواسعة، وتصاعد التوترات فيه يعرّض الاتفاق لهزات ارتدادية تؤثر سلباً على سلاسل الطاقة العالمية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل بإمكان بكين أن تكون ضامناً حقيقياً يضغط على طهران لإتمام الاتفاق وتثبيته، أم ستكتفي بدور الراعي الدبلوماسي؟
من المنظور الإيراني، تُعد الصين شريكاً استراتيجياً ومناقساً لواشنطن وليس ضامناً أمنياً. وتراهن طهران على أن بكين لن تضحي بشراكتها الاقتصادية والتجارية العميقة معها من أجل الضغط الشديد في ملف اليمن أو باب المندب، طالما أنها تبدي مرونة دبلوماسية وتعلن التزامها المبدئي بالاتفاق.
وبذلك، تختبر طهران قدرة الصين على لعب دور الوسيط الهادئ لامتصاص الانزعاج السعودي دون فرض أفعال حاسمة تجبرها على تجميد أنشطة حلفائها البحرية. في ظل تحول المضيق إلى خط تماس بين المصالح الإيرانية (التي تستخدمه كأوراق ضغط) والمصالح السعودية (التي تسعى للترابط التجاري وبناء اقتصاد إقليمي آمن)، اعتمدت الرياض استراتيجية متعددة المسارات تتجاوز الاعتماد الحصري على التفاهمات السياسية مع إيران لتأمين البحر الأحمر.
مبادرة التحالف البحري الدفاعي: إطلاق ترتيبات أمنية يستضيف مقرها الدائم في الرياض لتعزيز الأمن البحري وتأمين حرية الملاحة في باب المندب وخليج عدن دون الارتهان المباشر للتحالفات الغربية، مع فتح باب الانضمام للشركاء الإقليميين والدوليين.. تفعيل التعاون الممتد من القاهرة إلى القرن الأفريقي لتنسيق الجهود الأمنية والاستخباراتية بين الدول الشاطئية، وفرض ملكية إقليمية على أمن الممر المائي.
تسريع برنامج تطوير القوات البحرية الملكية السعودية لزيادة قدرات المراقبة الدائمة، ومكافحة الألغام البحرية، وردع الزوارق السريعة والطائرات المسيرة.
التوسع في ضخ النفط عبر خط الأنابيب إلى ميناء ينبع لتفادي تهديدات مضيق هرمز، وشحن النفط والغاز عبر قناة السويس والخطوط الشمالية إلى الأسواق الأوروبية للحد من الاعتماد الكامل على العبور جنوباً عبر باب المندب عند ارتفاع المخاطر. الضغط الدبلوماسي عبر بكين بصفتها راعية الاتفاق والأكثر تضرراً اقتصادياً من أي اضطراب لخطوط التجارة وسلاسل الإمداد.
تراهن طهران على أن الرياض ستفضل استمرار قناة الحوار الدبلوماسي وتجنب انهيار الاتفاق الشامل على الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تُعطل مشاريعها الكبرى. وبذلك يظل اتفاق بكين إطاراً لإدارة الخلافات وتجنب الصدام المباشر، بينما تواصل السعودية بناء قدراتها الذاتية وتنسيقاتها الإقليمية لحماية أمنها القومي واستثماراتها الاقتصادية على امتداد الساحل الغربي.




