الجمعة - 25 سبتمبر 2026

قال تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ.. آل عمران: 13..!

منذ 4 أيام
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿سورة آل عمران: 13﴾.

بغض النظر عن المراد بالفئتين، وعن القتال الذي حدث بينهما، فإن المعنى الذي تريد الآية أن تبيِّنه هو التالي: الكثرة عددًا وعُدَّة لا تحسم الحرب بالضرورة، ففي تاريخ البشرية الطويل مواقف بدا فيها ميزان القوة مختلًا لمصلحة الأكثر عددًا وعدة، إلى درجة يخال المحلِّل وفق الحسابات المادية أنها قوة لن تُقهَر، ثم جاءت الأحداث لتكشف أنها محكومة لسنن ربانية صارمة، تنهزم فيها القوة الكبرى أمام قوة صغيرة امتلكت إرادة صلبة، ورحية قتالية عالية، وارتباطًا وثيقًا بالله تعالى.

الآية الكريمة تُلفِت أنظار المؤمنين إلى مشهد من مشاهد الصراع الطويل بين المؤمنين والكافرين، تعرضه كآية من آيات الله، وعلامة على أنه تعالى يؤيِّد عباده وينصرهم ولو كانوا قِلَّة، وتقدِّمه لنا سُنَّة جارية في كل مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل، ما دام أهل الحق متمسكون بحقهم، مستعدون للتضحية في سبيله، ثابتون على مواقفهم وخياراتهم فالغلبة النهاية لهم، ولو دفعوا أثمانًا باهظة أثناء احتدام المواجهة.

لقد التقت فئتان غير متكافئتين من حيث العدد والعُدَّة والإمكانات: فئة مؤمنة لا تقاتل من أجل مصالح ذاتية بل تقاتل في سبيل الله، وسبيل الله هو الطريق الذي ينسجم مع إرادة الله في إقامة الحق والعدل ودفع الظلم وحماية الإنسان وصيانة كرامته. ولا تقاتل من أجل منافع شخصية أن فئوية، ولا تبغي الفساد في الأرض، ولا الاستعلاء، ولا التوسُّع، ولا النهب، ولا إخضاع الآخرين.

غاياتها ربانية، وتحكمها في صراعها مع الباطل قِيَمٌ ربانية. وفئة أخرى كافرة تقاتل طغيانًا وظُلمً وجَورًا، الفئة الأخرى كافرة، والكفر هنا ليس تعبيرًا عن أمر عقدي وحسب، بل هو تعبير عن مشروع في مقابل المشروع الإلهي، وكل ما لا يرضاه الله من ظلم واستعباد واحتلال واغتصاب للأوطان ونهب للثروات، وإضلال الإنسان وحرفه عن مساره الصحيح.

وكانت موازين القوى بينهما غير متناسبة بل مختلة لمصلحة الفئة الكافرة، فجاءت النتيجة لتكشف أن الغَلَبة لا تحسمها بالضرورة العوامل الأسباب المادية وحسب، لأن الصراع محكوم لأسباب معنوية كذلك، وأن الإيمان حين يتحول إلى وعي، وثبات، وبذل، وأخذ بالأسباب، يمكن أن يعطي القلة قوة تتجاوز حجمها العددي والمادي، مما يمكنها من أن تغلِب من يتوهَّم أنه لا يُغلَب.

اللافت في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. وسواء حملنا الآية على أن الكافرين رأوا المؤمنين أكثر من عددهم الحقيقي، أو حملناها على الوجه الآخر الذي ذكره بعض المفسرين في تفسير الآية، فإن السياق يُلفِت انتباهنا إلى أن الله تعالى لا يترك عباده الذين يقاتلون في سبيله، لا يتركهم يواجهون وحدهم، بل يمدهم بمدد غيبي مؤثِّر في المعركة وفي حسمها لصالحهم: إن الله يكثِّر أولياءه في عيون أعدائهم، ويقلِّل أعداءهم في عيونهم، وعلة ذلك أن يقضي أمرًا كان مفعولًا كما قال في موضع آخر من كتابه الكريم. أما كيف يكثِّر أولئك ويقلِّل هؤلاء فلا يكشف لنا القرآن عن ذلك، فهل هو من قبيل الإيهام، كما يتوهَّم الإنسان السراب ماءً، أو بالتصرُّف في إدراكهم، أو بالرعب الذي يلقيه في قلوب الكفَّار والسكينة التي ينزلها في قلوب المؤمنين، أو غير ذلك مما لا يعلمه الله تعالى. فالعدو قد يرى أمامه قوة مادية محدودة، لكنه يواجه في الحقيقة قوة معنوية هائلة.

قد يرى عدد المؤمنين قليلًا، لكنه يرى فيهم بسالة وشجاعة منقطعة النظير، وهذا ما تشهد له التجربة، وما رأيناه ونراه في الأبرار من إخواننا وأبنائنا وهم يواجهون أعتى وأطغى قوة في العالم.

ثم تختم الآية الكريمة بتقرير الحقيقة الكبرى في الصراع بين الحق والباطل، ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فالتأييد هو الإمداد والتقوية والمَعونة، ومن دون تأييده تعالى لا يكون نصر ولا غلبة، النصر أمر يشاؤه الله وما على المؤمنين إلا أن يهيؤوا الأسباب، وينهضوا إلى أداء تكليفهم،

فأما النتيجة فعلى الله تعالى وأمرها إلى مشيئته، ومشيئته تجري وفق حكمته وسُنَنِه، ولهذا فإن الإيمان لا يعني أن المؤمنين ينتصرون في كل معركة، ولا أن النصر معقود لهم دائمًا وفي كل الأحوال، بل لا بد من أن يستعدوا للقتال نفسيًا وروحيًا وماديًا، ويعِدوا له ما يستطيعون من الأسباب المادية والمعنوية. فإذا ما تأخَّر فلعله لخلل في سبب من الأسباب المادية، أو لحكمة لا يعلمها إلا الله تعالى.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 21/9/2026 الساعة (05:17)