السبت - 19 سبتمبر 2026

ما بين الغدر والثبات في ملحمة البيجر والتراجع في دير ميماس… ما هي الرسائل؟!

منذ ساعة واحدة
السبت - 19 سبتمبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

في ذكرى الشهداء الأحياء، والشهداء الذين قضوا نحبهم وما بدّلوا تبديلاً، لا بدّ أن نتوقف قليلاً أمام المسافة التي تفصل بين 17 أيلول 2024 و18 أيلول 2026.

ليست المسافة عامين.

وليست المسافة أربعة وعشرين شهراً من الأيام والليالي.

إنها مسافة تُقاس بالعزة والكرامة والدماء والجراح، وبالقدرة على أن يبقى الإنسان ثابتاً عندما يريد منه العدو أن ينكسر.

في السابع عشر من أيلول 2024 كان الغدر.

انفجرت أجهزة البيجر التي يحملها آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، فسقط الشهداء والجرحى، وتشوهت الوجوه، وبُترت الأيدي، وأصيبت العيون والأجساد. وسجلت الحصيلة الأولية في ذلك اليوم أكثر من 2800 جريح، بينهم حالات حرجة، ثم ارتفعت الحصيلة إلى 12 شهيداً في اليوم التالي.

لكن العدو الذي أراد أن يفجّر الجهاز، لم يستطع أن يفجّر الروح.

وهنا تبدأ الحكاية التي لا تُقاس بعدد الجرحى، بل بما فعله الجرحى بعد الجرح.

هؤلاء هم الشهداء الأحياء.

أولئك الذين حملوا آثار البيجر على وجوههم وأيديهم وأعينهم، ولم يحملوا معها راية الاستسلام. أولئك الذين دخلوا المستشفيات بأجساد ممزقة، ثم خرجوا منها إلى الحياة بكرامة جديدة، وكأن الجرح نفسه أصبح شاهداً على أن المقاومة ليست بندقية فقط، وإنما فكرة تسكن الإنسان، فإذا أصيب الجسد لم تسقط الفكرة.

وهنا تحديداً أراد العدو أن يبعث رسالته، لكن الجرحى بعثوا إليه رسالة أخرى.

أنك تستطيع أن تغدر، لكنك لا تستطيع أن تنتزع الإيمان من صاحبه.

أنك تستطيع أن تجرح العين، لكنك لا تستطيع أن تمنع صاحبها من رؤية الحق.

وأنك تستطيع أن تبتر اليد، لكنك لا تستطيع أن تجعل صاحبها يمد يده للاستسلام.

من هنا يصبح الحديث عن المقاومة حديثاً عن ذاكرة أمة، لا عن تنظيم أو سلاح فقط.

فكر المقاومة الذي يحاول بعض الداخل، عن قصد أو عن غير قصد، طمسه ومحو آثاره من ذاكرة اللبنانيين والعرب، لم يولد أمس، ولم يبدأ مع هذه الحرب. هو امتداد لذاكرة طويلة، من بدر وأحد والخندق وخيبر، إلى الملحمة الكبرى في كربلاء.

هناك، في كل تلك المحطات، كان السؤال واحداً وإن اختلفت الأزمنة:

ماذا يفعل المؤمن عندما يصبح الثبات أصعب من التراجع؟

ومن كربلاء جاءت الإجابة التي لا تزال حية في وجدان كل من يؤمن بهذا الطريق:

ما تركناك يا حسين.

ولذلك لم يكن الثبات في علي الطاهر مجرد قرار عسكري، ولا مجرد تمسك بتلة أو موقع.

كان معنى.

كان يقول إن الأرض التي دفع أهلها الدم لاستعادتها لا تُترك بسهولة، ولا تُسلَّم لأن أحداً طلب ذلك، ولا تصبح فجأة مجرد ورقة في بازار السياسة.

ثبتنا هناك ثبات أرز لبنان.

ولم ندعها للعدو ولا للصديق، حتى ظن البعض أن هذا الموقف يعني عدم الثقة بأبناء جلدتنا في المؤسسة العسكرية.

وربما هنا يجب أن نتوقف قليلاً.

لأن الجيش اللبناني ليس عدواً، والجندي اللبناني ليس خصماً، وهو ابن الجنوب والشمال والبقاع وبيروت، ومن أبناء هذا الوطن الذي دفع ثمناً غالياً من دمائه.

لكن السؤال ليس عن الجندي.

السؤال عن القرار.

من يقرر؟

ومن يرسم قواعد الاشتباك؟

ومن يقول للجندي: تقدّم؟

ومن يقول له: تراجع؟

ومن يحدد أين تبدأ السيادة اللبنانية وأين تنتهي؟

ثم جاءت دير ميماس.

وفي دير ميماس لا نريد أن نظلم الجيش بحكم لم تعلنه قيادته، ولا أن نحمل الجندي مسؤولية قرار لا نعرف مصدره. لكن المشهد الذي رآه اللبنانيون كان موجعاً بما يكفي لكي يفتح كل هذه الأسئلة.

قوة إسرائيلية تقدمت باتجاه نقطة مستحدثة للجيش اللبناني، وأفادت التقارير بوصولها إلى مسافة تقارب مئة متر، مع إلقاء قنابل صوتية، ثم عاد الجيش إلى نقطة تمركزه في برج الملوك، فيما عادت القوة الإسرائيلية إلى موقعها في تل النحاس.

فأين شيخنا والفتى؟

وأين أسد غاب إذا ساورتنا الفتن؟

وأين الدولة التي قيل لنا إن السلاح يجب أن يكون في يدها وحدها لأنها وحدها القادرة على حماية الحدود؟

السؤال هنا ليس تشكيكاً بالجندي.

السؤال عن لبنان الذي يريد أن يقنع الجنوبي بأن الدولة قادرة على حمايته.

فماذا نقول لأبناء الجنوب؟

هل نقول لهم: اطمئنوا، نحن قادرون على حمايتكم؟

أم نقول لهم، من حيث لا نريد: نحن عاجزون عن حمايتكم عندما يقرر العدو أن يتقدم؟

وماذا نقول للعدو؟

هل الرسالة التي وصلت إليه أن لبنان يقف في وجهه؟

أم أن لبنان، عندما يرفع العدو صوته، يمكن أن يعيد ترتيب مواقعه وفقاً لما يطلبه؟

هذه هي القسوة في المشهد.

ليس لأننا نريد حرباً بين الجيش وإسرائيل.

ولا لأننا نريد للجيش أن يدفع جنوده إلى معركة لا يملك قرارها.

بل لأن هيبة الدولة تبدأ من وضوح قرارها.

إذا كان هناك اتفاق، فليُعلن.

إذا كانت هناك قواعد اشتباك، فلتُشرح.

إذا كان التراجع قراراً عسكرياً لحماية الجنود، فليُقل ذلك.

وإذا كان القرار سياسياً، فليتحمل السياسيون مسؤولية قرارهم أمام اللبنانيين.

أما أن يبقى الجنوبي في أرضه يسأل: من يحمي بيتي؟ ومن يحمي عائلتي؟ ومن يردع العدو؟ فهذه ليست دولة مكتملة المعنى.

وهنا نفهم لماذا كانت تجربة البيجر وعلي الطاهر ودير ميماس في خط واحد، رغم اختلاف الوقائع.

في البيجر، حاول العدو أن يقول: نستطيع الوصول إليكم إلى داخل أجهزتكم.

فأجاب الجرحى: لن نترك الطريق.

وفي علي الطاهر، كان الجواب: لن نترك الأرض.

أما في دير ميماس، فقد جاء السؤال إلى الدولة: هل تستطيعون أن تقولوا للعدو: لن نترك الأرض؟

وهذا السؤال لا يجوز دفنه تحت البيانات.

لأن السياسيين الذين عادوا اليوم إلى مقولة «قوة لبنان في ضعفه» عليهم أن يتذكروا شيئاً بسيطاً: لبنان لم يحمِه ضعفه خلال العقود الأربعة الماضية.

الذي حمى لبنان في محطات كثيرة كان توازن القوة، والمقاومة، والجيش، والشعب، والدم الذي سال على هذه الأرض.

قد يختلف اللبنانيون على المقاومة.

قد يختلفون على سلاحها.

قد يختلفون على قرار الحرب والسلم.

لكن لا يستطيع أحد أن يمحو من التاريخ أن الجنوب شهد، خلال العقود الماضية، محطات انتهت فيها المعادلة لمصلحة لبنان، وأن الاحتلال الإسرائيلي انسحب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000 تحت ضغط مقاومة مسلحة، ثم شهد لبنان محطات أخرى تغيرت فيها حسابات العدو.

هذه وقائع في التاريخ، وليست عقيدة سياسية.

أما محاولة اختزال كل ذلك في شعار «قوة لبنان في ضعفه»، فهي عودة إلى لبنان الذي يريد أن يعيش آمناً لأنه لا يقاوم.

والتاريخ، حتى الآن، لم يقدم دليلاً كافياً على أن العدو يحترم الضعف.

وهنا تصبح دير ميماس خنجراً مسموماً.

لا لأنه أسقط الجيش، ولا لأنه أنهى فكرة الدولة، بل لأنه طعن في المكان الأكثر حساسية في وجدان الجنوبي: الثقة.

الثقة بأن هناك من يقف بينه وبين العدو.

الثقة بأن العلم اللبناني المرفوع على نقطة عسكرية ليس مجرد قطعة قماش، بل قرار سيادي.

الثقة بأن الجندي اللبناني عندما يقف في الجنوب يعرف أن خلفه دولة تقول له: ابقَ، ونحن معك.

ولهذا، فإن الذين آمنوا بأن ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، لن يكون سهلاً إقناعهم بأن عليهم التخلي عن كل ما يملكون من وسائل الردع قبل أن يروا دولة قادرة فعلاً على ملء الفراغ.

الحق الحق نقول لهم: معكم كل الحق في أن تتمسكوا بما تؤمنون به من سلاح المقاومة، إذا كان خوفكم الحقيقي أن يعود العدو عندما لا يجد أمامه قوة تردعه.

لكن هذه الحقيقة لا تعفي الدولة أيضاً من واجبها.

فاللبناني لا يريد دولتين.

ولا يريد جيشين.

ولا يريد مقاومة تبقى إلى الأبد بديلاً عن الدولة.

هو يريد دولة لا تُترك أرضها للعدو، وجيشاً لا يُطلب منه أن يكون شاهداً على الأحداث فقط، ومقاومة لا تُمحى من الذاكرة بقرار سياسي.

وفي ذكرى البيجر، وفي وجوه الشهداء الأحياء، وفي دماء الذين قضوا نحبهم وما بدلوا تبديلاً، يعود السؤال إلينا جميعاً:

ماذا فعلتم بالثبات الذي تركوه لكم؟

الجرحى الذين فقدوا عيونهم لم يفقدوا بصيرتهم.

والذين فقدوا أيديهم لم يفقدوا قدرتهم على الإشارة إلى الطريق.

والشهداء الذين غادروا الدنيا لم يتركوا لنا وصية بالانكسار.

لقد تركوا لنا معنى.

ومن 17 أيلول 2024 إلى 18 أيلول 2026، تغيرت المشاهد، لكن السؤال بقي واحداً:

هل يكون لبنان بلداً يطلب من أبنائه الثبات، أم بلداً يعلّم أبناءه أن الثبات خطأ؟

في البيجر كان الغدر.

في الجرح كان الألم.

في علي الطاهر كان الثبات.

وفي دير ميماس كان السؤال.

وبين الغدر والثبات، بين الدم والأرض، بين المقاومة والدولة، لا يبقى أمام لبنان إلا أن يختار شيئاً واحداً لا خلاف عليه:

أن لا تكون كرامة الجنوب آخر ما يتذكره اللبنانيون عندما تقع الواقعة، وأول ما ينسونه عندما تنتهي.

فالجنوب ليس جبهة فقط.

إنه امتحان لبنان كله.

ومن لا يفهم رسالة الجرحى في 17 أيلول، لن يفهم رسالة دير ميماس في 18 أيلول.

ومن لا يفهم لماذا ثبت أولئك الذين أصابهم الغدر، لن يفهم لماذا بقيت فكرة المقاومة حية.

ومن لا يريد مقاومة ولا يريد دولة قوية، فليجب اللبنانيين أولاً عن السؤال الأصعب:

إذا جاء العدو غداً، فمن سيقف؟