مكة في الحرب الإعلامية… بين الجغرافيا والمقدس..!
د. طالب الشوكة ||

شهد الخطاب الإعلامي خلال السنوات الماضية، لا سيما في ذروة الصراع في اليمن، حرباً إعلامية وسياسية محتدمة، جرى فيها استخدام ملف المقدسات الإسلامية، مكة المكرمة والمدينة المنورة، كإحدى أوراق الضغط والتأثير النفسي على الرأي العام.
واستطاع الإعلام أن يؤثر في مخيلة المشاهدين والمستمعين من خلال الإيحاء بأن حركة أنصار الله قد تستهدف مكة المكرمة والمدينة المنورة عسكرياً، وهو كلام يحتاج إلى شيء من التدقيق؛ إذ إن مجرد الحديث عن المساس بمكة والمدينة يثير غريزة الدفاع فوراً لدى ملايين المسلمين، دون الحاجة في كثير من الأحيان إلى التحقق من تفاصيل الخبر أو طبيعة الهدف.
وخلال الحرب التي شنها التحالف بقيادة السعودية، شملت المواجهات إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه أهداف داخل منطقة مكة المكرمة، مثل مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، أو القواعد والمنشآت العسكرية القريبة منها. وهنا برزت مشكلة التقارب الجغرافي في الخطاب الإعلامي، إذ استخدمت في بعض التغطيات عبارات من قبيل صاروخ باتجاه مكة، بدلاً من الحديث بصورة أكثر تحديداً عن صاروخ باتجاه هدف عسكري أو حيوي داخل منطقة مكة المكرمة.
وهذا الاختلاف في صياغة العنوان يمكن أن يخلق انطباعاً لدى المتلقي بأن الهدف هو مدينة مكة المكرمة أو الحرم المكي نفسه، خصوصاً عندما يتكرر الخبر كعنوان رئيسي، بينما قد تأتي التفاصيل في متن الخبر لتوضح طبيعة الهدف وموقعه.
وقد صرحت قيادة التحالف، عبر بيانات المتحدث الرسمي، في مناسبات عدة باعتراض صواريخ باليستية في أجواء منطقة مكة المكرمة، واعتبرت أن إطلاقها يمثل محاولة لاستهداف البقاع المقدسة. وتبنت وسائل إعلام مؤيدة للتحالف هذه الرواية بتغطية واسعة، وهو ما جعل القضية تتجاوز في كثير من الأحيان بعدها العسكري لتأخذ بعداً دينياً وعاطفياً واسعاً.
ويمكن فهم توظيف هذا الخطاب في إطار عدة أهداف سياسية وإعلامية، من بينها تقديم حركة أنصار الله للرأي العام باعتبارها جهة تهدد أقدس مقدسات المسلمين، وسحب التعاطف العربي والإسلامي عنها، ونقل الصراع من إطاره السياسي والإقليمي إلى إطار عقائدي وديني أكثر تأثيراً في الشارع العربي والإسلامي.
وفي المقابل، نفت حركة أنصار الله هذه الاتهامات عبر ناطقها الرسمي ووسائل إعلامها، مؤكدة أن المقدسات خط أحمر لا يمكن استهدافه، وأن الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة كانت موجهة نحو أهداف عسكرية وحيوية محددة.
ولتفكيك المشهد بصورة أكثر هدوءاً، لا بد من التمييز بين مكة المكرمة بوصفها المدينة التي تحتضن المسجد الحرام، وبين منطقة مكة المكرمة بوصفها منطقة إدارية واسعة تضم مدناً ومحافظات متعددة، من بينها جدة والطائف.
وهذه النقطة الجغرافية مهمة في فهم جانب من الجدل الذي رافق الحرب الإعلامية. فعندما تطلق صواريخ باتجاه أهداف عسكرية أو حيوية في جدة أو الطائف، فإنها تقع ضمن نطاق منطقة مكة المكرمة الإدارية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الهدف كان مدينة مكة المكرمة أو الحرم المكي.
ومن هنا نشأ جانب من الاستغلال الإعلامي للتقارب بين اسم المنطقة الإدارية واسم المدينة المقدسة، فأصبح الخبر في بعض الأحيان أكثر إثارة عندما يقال «استهداف مكة»، في حين أن التفاصيل قد تتحدث عن جدة أو الطائف أو منشأة عسكرية تقع داخل منطقة مكة المكرمة.
أما من الناحية الفكرية، فقد نشأت حركة أنصار الله في صعدة ضمن البيئة الزيدية في اليمن، وهي بيئة لها تاريخ طويل في البلاد، ولا توجد في الأصل فكرة دينية عامة تبيح استهداف الكعبة المشرفة أو المسجد الحرام أو المسجد النبوي. بل إن حرمة المقدسات الإسلامية قضية دينية راسخة تتجاوز الانتماءات المذهبية.




