السبت - 19 سبتمبر 2026

بوصلة الشعب العراقي.. وتحديات القيادة في مرحلة التحولات..!

منذ يوم واحد
السبت - 19 سبتمبر 2026

المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

 

 

 

لا شك أن المتتبع الواعي لمجريات الأحداث الإقليمية والدولية يدرك أننا نقف أمام مرحلة استثنائية، وأن الأرض تتهيأ لتحولات كبيرة قد تغيّر وجه العالم وتقلب موازين القوى، وتضع حداً لهيمنة المستكبرين والطغاة الذين عاثوا في الأرض فساداً، وأهلكوا الحرث والنسل، حتى امتلأت الأرض ظلماً وجوراً.

وفي الرؤية الإيمانية، فإن هذه المسيرة لا بد أن تنتهي إلى العدل والإصلاح، وأن البشرية ماضية نحو مرحلة يظهر فيها المصلح والمنقذ، فتستعيد الحياة بوصلتها باتجاه الحق والعدل والإصلاح والتغيير.

وتتركز محاور هذه التحولات في منطقة غرب آسيا، بما تمثله من موقع جغرافي وحضاري واستراتيجي جعلها على امتداد التاريخ ساحةً للتنافس والصراع على النفوذ والثروات والقرار. وفي هذه الخارطة يبقى العراق بلداً محورياً، بما يمتلكه من موقع وثقل حضاري وتاريخي وعقائدي، وما يمكن أن يؤديه من دور في مستقبل المنطقة.

لكن أين يقف العراق من هذه التحولات؟

إن المشكلة ليست في الشعب العراقي؛ فهذا الشعب يمتلك الشجاعة والإرادة، وقد أثبت في محطات كثيرة قدرته على الصمود والتضحية والدفاع عن أرضه وكرامته، وان بوصلة توجهاته وقناعته عند الاغلبية العظمى من شعبه واضحة بيّنة من خلال اشارات كثيرة ومواقف متعددة ابداها. وإنما تكمن الحاجة اليوم إلى قيادة أكثر وضوحاً في الرؤية، وأشد حزماً في حماية القرار الوطني، وأكثر قدرة على استثمار طاقات الشعب وبناء عناصر القوة والاستعداد لما قد تحمله المرحلة المقبلة.

فالتحديات القادمة لا يكفي معها التردد أو انتظار ما تفرضه الظروف، بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية، وتماسك وطني، وقاعدة شعبية واعية وقادرة، ومؤسسات تمتلك أدوات الردع والدفاع عن سيادة العراق ومقدراته وهويته، مع الحفاظ على علاقاته المتوازنة مع الجميع.

وفي المقابل، نرى في اليمن، بقيادة السيد عبد الملك الحوثي حفظه الله، موقفاً يعبّر عن أصالة اليمن وشجاعته ودفاعه عن قضايا الأمة ومقدساتها وكرامتها. كما نرى في إيران موقفاً يقوم على تقديم تضحيات كبيرة دفاعاً عن الإسلام الأصيل ومقدسات الأمة وهويتها وكرامتها، وشهادة الامام الخامنئي رضوان الله عليه اغلى غاية في الجود من اجل الاسلام، وكذلك الاداء الشامخ المقتدر لمحور المقاومة في لبنان والعراق.

ومن هذه الزاوية، يرى كثير من أبناء الأمة أن معيار المواقف لا يكون بالشعارات، وإنما بالثبات والتضحية والشجاعة وسلامة الموقف والوقوف إلى جانب المظلوم، في مقابل مشاريع الهيمنة والغطرسة التي تسعى إلى فرض الإرادة بالقوة والتحكم بمقدرات المنطقة وثرواتها وتوجيه شعوبها بما يخدم مصالحها.

والأيام القادمة، حبلى بأحداث وتحولات كبيرة، وقد تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين رايات الظلال والانحراف ورايات الحق والعدل.

وفي ضوء ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام عن رايتي اليماني والخراساني، فإن كانت هذه هي الرايات التي أشارت إليها، فإنها ستكون مناراً ورجاءً لكل المستضعفين والمحرومين والمظلومين في العالم، وتقف في مواجهة قوى الهيمنة والغطرسة التي تريد إخضاع المنطقة والسيطرة على ثرواتها وتغيير هويتها وطمس إرادة شعوبها.

ومع مجريات الأحداث التي نشهدها اليوم، نرى في مواقف اليمن وإيران قوةً تتصدى لمشروع الهيمنة، وتدافع عن قضايا الامة العادلة وعن وجودها، وعن المقدسات والكرامة والقرار المستقل.

فأين نحن من هذه الأحداث؟

إن العراق بحاجة إلى أن يستعيد وضوح بوصلته، وأن يوحّد طاقاته، وأن يقرأ المرحلة بوعي بعيداً عن التردد والارتباك. فالقوة لا تعني الحرب، وإنما تعني أن يمتلك البلد القدرة على حماية قراره وسيادته ومقدراته، وأن يكون مستعداً للدفاع عن نفسه عندما تُفرض عليه التحديات.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قيادة تمتلك الرؤية والشجاعة والحكمة، وإلى شعب واعٍ متماسك، وإلى مؤسسات قوية قادرة على حماية الوطن، لأن الأمم التي لا تستعد لمستقبلها قد تجد نفسها أسيرةً لإرادة الآخرين.

والله أعلم بما تخبئه الأيام القادمة، لكنها مهما اشتدت فلن تمنع الفرج، ومهما عظمت المحن فلن تهزم إرادة المؤمنين. ويبقى الأمل بالله، والثبات على الحق، والاستعداد لتحمل المسؤولية، طريقاً لا غنى عنه في مواجهة ما هو قادم.

نسأل الله أن ينصر المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وآله، وأن يعجل فرج آل محمد صلى الله عليه وآله ، وان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
سورة آل عمران: 139