335954 كيلومترا مربعا… حين تتحول الحدود من خطوط على الحريطة الى سؤال عن السيادة..!
محمد علي اللوزي ||

هناك قضايا لا تحتاج الى كثير من الجدل بقدر ما تحتاج الى شجاعة في النظر الى التاريخ كما هو، بعيدا عن التبرير السياسسي والمصالح العابرة واللغة التي تحاول ان تجعل من الوقائع امرا قابلا للنسيان. ومن بين هذه القضايا مسألة الخدود اليمنية السعودية، وما ارتبط بها من تحولات تاريخية انتهت الى معاهدة جدة الموقعة في 12 يونيو 2000.
فمغاهدة جدة لم تكن مجرداجراء فني لوضع علامات حدودية بين بلدين، بل جاءت لتضع حدا نهائيا ودائما للنزاع الحدودي اليمنني السعودي، واستندت في جانب منها الى تأكيد سريان معاهدة لطائف وملاحقها، والى مذكرة التفاهم الموقعة عام 1995. وقد سجلت المعاهدة في الامم المتحدة بوصفها معاهدة دوولية للحدود بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية.
ومن هنا تبدأ القضية الحقيقية.
فحين ينظر اليمني الى خريطة يلاده عبر مراحل التاريخ، ثم يقارنها بالحدود التي استقرت عليها التسويات والمعاهدات، فمن حقه ان يسأل: كيف وصلت الامور الى ما وصلت اليه؟ وما الذي جرى على الارضقبل ان تصبح الخطوط الحدودية نهائية؟ وما الذي تغير بين الخرائط والروايات التاريخية وبين الواقع القانوني الذي انتهت اليه اتفاقية جدة؟
وتتداول في اروقة السياسة والبحثين ارقاما كبيرة حول المساحات التي يقال انها خرجت من نطاق السيادة اليمنية لصالح السعوديية، ومن بينها رقم 335954 كيلومترا مربعا. لكن من المهم، عند طرح هذا الرقم، التمييز بين م ا يرد في نص المعاهدة نفسها وبين الحسابات الجغرافية والتاريخية التي تجري مقارنة بين خرائط ومساحاتمختلفة. فالنص الاممي للمعاهدة يحدد مسار الحدود البرية في اقسامه المختلفة، كما يتناول الحدود البحرية، ولا يقدم في مواده رقما اجماليا يقول إن هذه المساحة تحديدا تنازلت عنها اليمن
وهذا التفصيل لا يلغي جوهر السؤال، بل يجعله اكثر اهمية.
لان القضية ليست مجرد رقم يوضع في منشور ثم ينتهي النقاش. القضية ههي السيادة، والذاكرة الوطنية، والحق في معرفة كيف رسمت الحدود، وما هي الوثائق التي اعتمدت، وما الذي كانتعليه المطالبات اليمنية تاريخيا، وكيف انتهت المفاوضات الى الصيغة التي اعتمدت عام 2000.
لقد اقرت معاهدة جدة خطا حدوديا نهائيا ودائما، وحددت مساره من ساحل البحر الاحمر مرورا بالنقاط الحدودية وصولا الى منطقة التقاء الحدود مع سلطنة عمان، كما خصصت جزءا للحدود البحرية. وتوضخ الوثائق الاممية ان الاتفاق لم يقتصر على البر، بل عالج ايضا الحدود البحرية وبعض الجزر الواقعة في البحر الاحمر.
ولذلك فان التعامل مع هذه القضية بمنطق انتهى الامر ولا داعي للحديث عنه ليس حلا. فالتاريخ لا يمحى بمجرد توقيع وثيقة، والاسئلة الوطنية لا تسقط بمجرد مرور السنوات.
ومن حق الاجيال اليمنية ان تعرف ماذا حدث بالضبط، لا من خلال الشعارات وحدها، ولا من خلال الرواية السعودية وحدها، ولا من خلال رواية يمنية غير موثقة، وانما من خلال الخرائط والوثائق والمعاهدات والمذكرات والمراسلات والشهادات التاريخية، ثم مقارنة ذلك كله بالواقع الذي فرضته الحدود النهائية.
والاهم من ذلك ان لايتحول الدفاع عن السيادة الى مجرد انفعال عاطفي. فالقضية الوطنية الاقوى هي التي تستند الى الوثيقة. وكلما كانت الوثائقواضحة، كانت الحجة اكثر قوة، وكلما كان الرقم موثقا بمصدر ومنهج حساب معروف، اصبح من الصعب على اي طرف ان يختزل القضية في مجرد دعاية سياسية.
اما الذين ينظرون الى هذه المسألة بعين واحدة، او يعتقدون ان كل ما جرى في الماضي يجب ان يبقى خارج دائرة النقاش، فعليهم ان يدركوا ان الشعوب لا تفقد حقها فيقراءة تاريخها لمجرد ان اتفاقا دوليا وقع قبل سنوات.
معاهدة جدة موجودة، ونصوصها منشورة، وخرائطها وملاحقها جزء من السجل الدولي.
ولهذا فان السؤال ليس: هل نريد فتح الماضي؟
السؤال الحقيقي هو: هل هل نريد ان نعرف الماضي كما كان؟
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
ان الحديث عن مساحة تقدر بـ335954 كيلومترا مربعا باعتبارها مساحة استقطعت من اليمن يحتاج الى توثيق منهجي دقيق، لا الى ترديد الرقم فقط. لكن الثابت الذي لا يستطيع احد انكاره هو ان الحدود اليمنية السعودية شهدت نزاعا تاريخيا طويلا، وان معاهدة جدة عام 2000 نقلت هذا النزاع الى صيغة حدود دولية نهائية، وربطت في مادتها الاولى بين التسوية الجديدة وبين معاهدة الطائف وملاحقها، قبل ان ترسم خط الحدود البرية والبحرية بصورة تفصيلية.
ومن هنا فان الغشاوة الحقيقية ليست في العين وحدها، بل في الذاكرة ايضا.
غشاوة تجعل البعض يرى الخريطة ولا يسأل كيف رسمت، ويرى الحدوددولا يسأل عن تاريخها، ويرى الاتفاق ولا يريد ان يعرف ما سبقه.
اما اليمن الذي يعرف قيمة ارضه وسيادته، فلا ينبغي له ان يخاف من الوثيقة، ولا من قراءة التاريخ، ولا من طرح الاسئلة الصعبة.
فالارض ليست مجرد مشاحة بالكيلومتر المربع، والسيادة ليست خطا مرسوما بالحبر، والوطن ليس رقما في جدول جغرافي.
الوطن ذاكرة وارض وقرار وسيادة.
ومن لا يريد ان يرى هذه الحقيقة، فليفتح الوثائق اولا، ثم يقرأ الخرائط، ثم يقارن التاريخ بالواقع، وبعد ذلك فقط فليحكم.
الوقائع الموثقة والاستنتاجات السياسية.
وللحقيقةفإن القضية لم تبدأ عام 2000، بل تعود الى عقود طويلة من التاريخ اليمني السعودي، والى ظروف سياسية وعسكرية واقتضادية معقدة، كان فيها ميزان القوة بين البلدين غير متكافئ. ومن هنا فان فهم النتيجة النهائية يقتضي العودة الى ما قبل معاهدة جدة، والى معاهدة الطائف عام 1934 وما تلاها من تفاهمات ومفاوضات وترتيبات حدودية.
والاكثر اثارة في هذا السياق هو الحديث المتكرر في مصادر وشهادات سياسية وتاريخية يمنية عن الدور الذي لعبه المال السعودي في صناعة النفوذ داخل اليمن.
فالسعودية لم تعتمد طوال تاريخ تدخلها في اليمن على القوة العسكرية وحدها. لقد استخدمت ايضا ادوات سياسية واجتماعية واقتصادية، من بينها تقديم الدعمن المالي لشخصيات قبلية وسياسية ووجاهات اجتماعية، وبناء شبكات من النفوذ داخل المجتمع اليمني، وهي سياسة تناولتها شهاداتودراسات عديدة عند الحديث عن علاقة الرياض بالنخب اليمنية خلال عقود مختلفة.
ولهذا ظل الحديث عن المال السعودي داخل اليمن حاضرا بقوة في الذاكرة السياسية اليمنية. إن اموالا كبيرة قد قدمت لشخصيات ووجاهات نافذة، وعن مساعدات ودعم مالي استهدف تثبيت ولاءات سياسية وقبلي كل ذلك مقابل شراءالءمم ولولاءات او رشاوى سياسية.
وفي هذا السياق يطرح اسم نظام الرئيس علي عبدالله صالح كثيرا، باعتبار ان العلاقة بين الرياض وصنعاء خلال عهده لم تكن مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، وانما كانت ايضا شبكة واسعة من المصالح والاتصالات والدعم المالي والسياسي.
ومن المهم هنا التمييز بين امرين وجود دعم وتمويل سعودي لشخصيات وقوىى يمنية، وهو امر تناولته مصادر وشهادات متعددة، وبين اثبات ان كل مبلغ دفع كان رشوة مباشرة .
والسؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن فهم التسويات التي انتهت اليها قضية الحدود بمعزل عن ميزان القوة السياسية والاقتصادية، وعن شبكة النفوذ التي بنتها السعودية داخل اليمن؟
وهنا تصبح المسألة اكثر تعقيدا من مجرد خط على الخريطة.
فالحدود لا ترسمها الخرائط وحدها. احيانا ترسمها ايضا موازين القوة، والازمات السيسية، وحاجة الانظمة الى الدعم، وعلاقات رجال السلطة بالقبائل والوجاهات، وقدرة الدولة الاقوى على التأثير في القرار داخل الدولة الاضعف.
ولهذا فان من يريد قراءة تاريخ الحدود اليمنية السعودية قراءة موضوعية لا يستطيع ان يتجاهل العامل السياسي والاجتماعي والمالي.
ولا ينبغي ايضا ان ينظر اليمني الى هذا التاريخ بغين الاستسلام او باعتباره قدرا لا يمكن مناقشته. فالسيادة ليست سلعة، والارض ليست منحة، والحدود ليست مجرد ارقام في اطلس جغرافي.
ان توقيع معاهدة جدة عام 2000 اغلق ملف النزاع الحدودي من الناحية القانونية بين الدولتين، ورسخ خطا حددوديا نهائيا، مستندا في جانب منه الى معاهدة الطائف وملاحقها والاتفاقات والتفاهمات التي جاءت بعدها. لكن اغلاق الملف قانونيا لا يعني ان الذاكرة الوطنية مطالبة باغلاق اسئلتها التاريخية.
بل على العكس.اذا كانت هناك ادعاءات عن مساحات واسعة خرجت من نطاق المطالبات اليمنية، فيجب ان تدرس خرائطها ووثائقها. واذا كانت هناك روايات عن اموال ضخمة دفعت لشخصيات سياسية وقبلية ووجاهات اجتماعية للتأثير في القرار اليمني، فيجب البحث عن وثائقها وسهاداتها ومقارنتها. واذا كان هناك من يقول ان نظام صالح وشخصيات نافذة في عهده استفادت من الدعم المالي السعودي، فالمطلوب فهم طبيعة المرحلةوفهم الواقع الذي كانت عليه اليمن.ذلم أن المشكلة ليست في ان نفتح هذه الملفات، بل في ان نخاف من فتحها.
من حق اليمنيين ان يعرفوا كيف رسمت حدود بلادهم، ومن جقهم ان يعرفوا طبيعة الاتفاقات التي وقعت باسمهم، ومن حقهم ان يسألوا عن دور المال والنفوذ الخارجي في صناعة القرار اليمني، ومن حقهم كذلك ان يعرفوا من استفاد ومن دفع ومن وقع ومن وافق، وما هي الظروف التي احاطتبكل مرحلة من مراحل التفاوض.
اما محاولة تصوير كل من يطرح هذه الاسئلة بانه يعيش في الماضي، او يريد اعادة فتح الحدود، فليست اجابة.ان الدولة التي تحترم نفسها هي التي تستطيع ان تنظر الى تاريخها بلا خوف.لقد كانت اليمن، وما زالت، بلدا ذا مساحة خغرافية وتاريخ سياسي اكبر مما تسمح به حالته الراهنة.
ومشكلة اليمن لم تكن في نقص الارض وحده، بل في ضعف الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، وتدخل القوى الخارجية، وتحول جزءمن النخب السياسية والاجتماعية الى ادوات في صراعات اقليمية.
ولهذا فان الحديث عن المال السعودي لا ينبغي ان يتحول الى شتيمة للسعوديين كشعب، ولا الى عداء بين مجتمعين متجاورين. القضية تتعلق بسياسات دولة، وبادوات نفوذ استخدمت عبر عقود، وبنخب يمنية قبلت بهذا النفوذ او استفادت منه.فالسيادة لا تستعاد بالكراهية، وانما باستعادة القرار الوطني.
والدرس الاهم من كل ذلك ان الوطن الذي يسمح للقوى الخارجية بشراء الولاءات داخله، يصبح عاجزاعن حماية قراره حتى لو بقيت حدوده مرسومة على الخريطة.
اما اليمن الذي يريد ان يستعيد استقلال قراره، فعليه ان يعي جيدا معاهدة الطائف، ومراحل النزاع الحدودي، ومذكرات التفاهم، ومعاهدة جدة، وشبكات النفوذ السياسي والقبلي والمالي، وكل ما احاط بها من ظروف.
وعندها فقط يمكن ان نفهم لماذا وصلت الامور الى ما وصلت اليه.
وفق هذا المنظور، فان الرقم 335954 كيلومترا مربعا، سواء ثبت بهذه الصيغة الحسابية بعد مراجعة الخرائط والوثائق او احتاج الى تصحيح، يجب الا يكون هو نهاية النقاش، بل بدايته.
لان السؤال الاكبر ليس كم كيلومترا تغيرت حدودها.السؤال هو: كيف حدث ذلك؟ ومن كان يملك القرار؟ ومن اثر في القرار؟ ومن دفع؟ ومن استفاد؟ ومن وقع؟ وهل كان القرار نابعا من ارادة وطنية مستقلة ام من موازين قوة ونفوذ ومال؟
هذه هي الاسئلة التي تستحق ان تفتح.
وهي جوهر الفهم للتحولات الجغراسياسية غي اليمن




