من هُرمز الى باب المندبّ.. المعركة واحدة..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

لم تعد معركة إيران وامريكا مجرد مواجهة عسكرية تدور في سماء إيران أو مياه الخليج، ولم تعد المفاوضات بين طهران وواشنطن،
وبين صنعاء والرياض، مجرد بحث عن اتفاق نووي أو ترتيبات مؤقتة لوقف التصعيد؛ فقد انتقلت أزمة المضايق إلى واحدة من أخطر نقاط الاختبار في العالم.
وهنا يبرز مضيق هرمز في قلب المشهد، وبجواره مباشرة مضيق باب المندب، لتتشكل معادلة جغرافية وسياسية وعسكرية جديدة تقول إن من يريد التحكم في المنطقة لا يستطيع تجاهل إرادة الدول المطلة على هذه الممرات.
هرمز.. ورقة تفاوض أم معركة سيادة؟
المؤشرات القادمة من هرمز تكشف حجم الأزمة؛ فقد هبطت حركة السفن بصورة حادة خلال عطلة نهاية الأسبوع، في وقت تبدو فيه المفاوضات الإيرانية–الأمريكية متعثرة، بينما تستمر الاتصالات الإيرانية مع سلطنة عُمان بشأن آلية لإدارة الملاحة في المضيق.
وهذا التطور يحمل رسالة واضحة: الملاحة لا تُفرض بالقوة العسكرية وحدها.
فواشنطن تستطيع إرسال الأساطيل، لكنها لا تستطيع إجبار شركات الشحن والتأمين والسفن التجارية على المخاطرة بأرواحها وممتلكاتها في منطقة تشتعل فيها التهديدات.
والأخطر بالنسبة لواشنطن أن حديثها عن السيطرة على هرمز لا يتطابق مع واقع الملاحة؛ فبيانات تتبع السفن أظهرت تراجع العبور من أكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب إلى مستويات شديدة الانخفاض في الأيام الأخيرة.
ومن هنا يصبح المضيق نفسه أداة ضغط استراتيجية، وليس مجرد ممر مائي.
إيران: لا تفاوض تحت الإكراه
في المقابل، تظهر طهران أنها لا تريد الدخول في مفاوضات تُدار بمنطق المهلة والضغط والتهديد.
وتؤكد الخارجية الإيرانية أن مذكرة التفاهم لا تتضمن مهلة الستين يومًا بالشكل الذي تطرحه واشنطن، وأن عدم التزام امريكا بتعهداتها يجعل فرض مهلة زمنية على إيران أمرًا غير ذي معنى.
والرسالة الإيرانية الأهم هي أن السيادة والمصلحة الوطنية تأتيان قبل الساعة الأمريكية.
وهذا يفسر أيضًا حكمة القيادة الإيرانية في رفض عودة القواعد العسكرية الأمريكية إلى وضعها السابق في المنطقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف الخليجية من استمرار الحرب وتداعياتها.
وقد نقلت تقارير حديثة عن مسؤولين أن السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين باتت أكثر قلقًا من سياسة واشنطن تجاه إيران، مع تساؤلات حول جدوى استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
من هرمز إلى باب المندب.. المعادلة تتسع
وبما أن مضيق هرمز يمثل بوابة الخليج وممرًا أساسيًا للطاقة، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس،
لهذا فإن ما يحدث في هرمز لا يمكن فصله عن التطورات في البحر الأحمر.
ففي الوقت الذي تتراجع فيه حركة الملاحة عبر هرمز، تشهد الملاحة في باب المندب أيضًا ضغوطًا متزايدة. وتؤكد بيانات حديثة أن حركة الملاحة عبر المضيقين تأثرت بالتوترات العسكرية، فيما لم تُسجل شحنات نفط سعودية عبر باب المندب في الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، استهداف سفينة إنزال عسكرية سعودية وأربعة زوارق مرافقة لها أمام سواحل المخا، بالتوازي مع استهداف مخزن أسلحة في معسكر صحن الجن بمأرب.
وقد نقلت وسائل إعلام دولية اليوم خبر إعلان القوات اليمنية استهداف سفينة سعودية وزوارق مرافقة في البحر الأحمر.
ولهذا فإن الرسالة اليمنية التي تتحدث عن “الحصار بالحصار” تعني أن الضغط البحري يمكن أن يصبح جزءًا من معادلة الردع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتحركات عسكرية سعودية في البحر الأحمر.
ختاما: مما سبق وغيره يتبين أن:
ما يجري اليوم في هرمز ليس مجرد أزمة ملاحة، كما أن ما يجري في باب المندب ليس مجرد حادثة بحرية منفصلة.
إننا أمام معادلة إقليمية مترابطة:
إيران تضغط في هرمز، واليمن يفرض حضوره في البحر الأحمر.
وواشنطن تحاول الحفاظ على نفوذها وقواعدها، ودول الخليج تبحث عن مخرج يحمي أمنها واقتصاداتها من تداعيات الحرب.
ومن هرمز الى باب المندب تتشكل حقيقة جديدة:
من يريد التحكم في المنطقة عليه أن يحسب حساب جغرافيا المنطقة، وقوة شعوبها، وإرادة دولها، لا أن يتعامل معها باعتبارها مجرد ساحات تابعة للأسطول الأمريكي.
إن مضيق هرمز قد يكون اليوم عنوان التفاوض، لكن باب المندب هو عنوان الردع المقابل، فالمعركة واحدة.
وإذا فشلت واشنطن وعملائها في استيعاب هذه الحقيقة، فقد تجد نفسها أمام واقع جديد لا تستطيع فيه حاملات الطائرات أن تفتح وحدها طرق التجارة، ولا تستطيع القواعد العسكرية أن تمنح وحدها الأمن، ولا تستطيع التهديدات أن تفرض اتفاقًا على دول ترى أن سيادتها ليست ورقة قابلة للمساومة.




