عن سيرة “السيد السياسي” وفنّ القفز الى كل الضفاف..!
عباس سرحان ||

ثمة نموذج سياسي شيعي بات مألوفًا في المشهد العراقي، يستحق أن يُدرَس كظاهرة في علم الاجتماع السياسي. رجل فقع في العمل العام كما تفقع الكمأة البرية بعد زخات من المطر، لا يملك جذورا سياسية عميقة تشدّه الى الارض، لكنه ظهر لامعًا كخدّ المرآة، وربما كخد المرأة.
يجيد هذا السيد السياسي ارتداء عباءتين لا تجتمعان بسهولة، عباءة الدين، بما تحمله من رمزية مفترضة، وعباءة العمل السياسي بما يقتضيه من مناورة ودهاء. وهو في هذا المزج لا يعتمد على مشروع أو رؤية، بل على رصيده العائلي الذي يستدعيه عند الحاجة كصك ملكية وعلو وتسيّد، وليس كمسؤولية.
يظن، وهكذا يبدو، أن السياسة يمكن ان تتغلف بالعرف الحوزوي. ابتسامة عريضة هنا، انحناءة مدروسة هناك، وبسط اليد للتقبيل او سحبها تصنّعا، وقليل من التواضع المصطنع الذي يخدع به الجاهلين بلغة الجسد.
الأخطر في هذا النموذج أنه يحسن التوقيت واقتناص يضاهي حسّ الجوارح بالانقضاض على فرائسها! فكلما اشتدّ صدامه مع خصومه ومنافسيه الشيعة، قفز إلى الضفة او الضفاف الأخرى، يتلمظ . فحين كانت الأنبار تتمرد وتخرج على الدولة العراقية، أطلق مبادرة يشيد بـ”صمود الانبار” وكأن المحافظة تواجه عدوا خارجيا وتصمد بوجه جهة غير الدولة التي يفترض أنه جزء من مؤسساتها.
وحين رفع قادة كوردستان شعارات الانفصال وهاجموا الحكومة الاتحادية، هرول الى هناك، في زيارة اضعفت الموقف الحكومي، وحين كانت الرياض تخاصم بغداد وتبعث الانتحاريين لاستهداف الشيعة في مدنهم، سارع كالثعلب البري، والجاً ابوابها التي ظلت مؤصدة أمام من يمثلون الدولة العراقية من الشيعة.
يظن “السيد السياسي” أن مصافحة خصوم الشيعة التقليديين في اللحظة التي يشتد فيها خصامهم، هي اجازة عبوره إلى القبول الإقليمي، وربما إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد. ولذلك تراه يرفع تارة شعار “الفضاء الوطني”، وتارة أخرى شعار “المقبولية الإقليمية”، لتبرير اعتراضه على هذا المرشح الشيعي أو ذاك كلما اقترب أحدهم من كرسي رئاسة الوزراء.
المفارقة أن حضوره اللافت في كل مناسبة لا يخدم سوى طموحه الشخصي، بينما يختفي فجأة ويدخل في سباتٍ يشبه سبات النبات في البرد القارس، حين يحتاج الشيعة إلى من يدافع عن قضاياهم في اللحظات الحرجة.
صوته يخفت عند الاستحقاقات الجماعية، ويعلو عند الاستحقاقات الذاتية. وهذا هو جوهر هذه الظاهرة التي ابتلي بها الشيعة. سياسي لا يقيس مواقفه بمعيار المصلحة العامة، بل بمعيار المسافة التي تحقق له الأمن من الاستهداف، والمكسب الشخصي من كل أزمة.
هذا النموذج ليس فريدًا، فهو واحد من عدة نماذج شيعية ساهمت، ببحثها الدائم عن “الإرث” و”المقبولية” و” المجد العائلي” في إضعاف الموقف الشيعي العام، وقد تتسبب مستقبلًا، بتراجع حقيقي في الدور السياسي لهذا المكون، بل وفي حضوره ذاته.




