كيف يتم نهب العالم بالديون؟!
متابعة ـ محمد صادق الحسيني ||

محمد صادق الحسيني
الولايات المتحدة تنهب العالم بطرق عديدة وكثيرة، واحدة من هذه الطرق هي الديون، إنها تصرف كيفما تشاء، فيحصل لديها عجوزات في الميزانية السنوية، وعجوزات آخرى في الميزان التجاري، فتقوم بالإستدانة والإقتراض من العالم كله، لتغطية هذين العجزين، ويذكر التاريخ إن الوزير كيسنجر السيئ الذكر (مجرم حرب) سأل خبراء الإقتصاد عن كيفية سداد العجز المتزايد كل سنة، فقال له أحد الخبراء: سنجعل العالم كله يدفع هذا العجز.
تستدين بما يسمى بسندات الخزينة، وهي أنواع كثيرة، بسعر فائدة قليل جدا، لا يتجاوز 3.5 بالمائة في المتوسط الآن، أما قبل ذلك، ولمدة طويلة كانت تدفع نسبة فائدة لا تتجاوز 1 (واحد المائة).
كما أنها عند أوان وقت سداد السند، تقوم بإصدار سندات جديدة، ومن الجديد تدفع القديم، وهو ما يسمى بالترحيل أو التدوير، ويعني عدم الدفع في الحقيقة، وإنما أخذ ديون جديدة، وأكثر من قبل، ولهذا يرتفع دينها العام كل سنة.
الدين الحكومي الأمريكي وصل الأن 40 ترليون دولارا، وهو يتزايد اليوم بمعدل 90 ألف دولار في كل ثانية، يعني يزيد مليون دولار، في كل 10 ثواني، فوق الأربعين ترليون.
كلما زاد هذا الدين الأمريكي الهائل، زادت فرص عدم السداد، فيتوقع في كل لحظة أن تقوم الحكومة الأمريكية الحالية، أو القادمة، بإعلان أنها لا تستطيع دفع ديونها، بالتالي ترفض السداد، وليس أمام الحكومات والبنوك وأفراد العالم أن يحتجوا، أو يقولوا شيئا، أو يعملوا شيئا، أمام عدم السداد، لأنه لا أحد يستطيع أن يقف في وجه نظام واشنطن.
إن دائني أمريكا، أي الذين إشتروا ويشترون السندات الحكومية، وهي سندات الدين، يحصلون على أرباح لديونهم، وهي أرباح قليلة، مقارنة بما يدفعه كل الناس للبنوك، مقابل إقتراضهم، حيث يدفع بعضنا نسبة لا تقل عن 8 بالمائة، أما أرباح بطاقات الإئتمان مثل فيزا، فتصل إلى أكثر من 25 بالمائة، وهي أرباح مركبة.
وكان العالم يحصل على أرباحه القليلة، من شرائه لسندات الدين هذه، بعملة الدولار، وهي كما نعرف دولارات جميلة مطبوعة، ولكن لا غطاء لها، بعد أن أوقفوا دعمها وربطها بالذهب، في عام 1971م، بحسب إعلان نكسون.
وهذا يعني أن أرباح العالم تدفع بطباعة المزيد من الدولارات المزيفة، وكلما طبعوا دولارات جديدة، إنخفضت قيمة الدولار أكثر وأكثر، وزادت ديونهم فوق ال 40 ترليون أكثر وأكثر.
فوق أنها أربح قليلة، وبعملة الدولار غير المضمونة، إلا بقوة الجيش الأمريكي، وقنابله النووية، فإن هذه الدولارات تفقد قيمتها في كل يوم كما قلنا، لقد فقدت قرابة 20 بالمائة من قيمتها منذ مجيئ ترامب.
فوق ذلك فإن قروض العالم (رأسمالهم) هي الأخرى تفقد قيمتها، لأنها بالدولار الذي يتدهور يوما بعد يوم، لقد إنخفض الدولار مقابل الذهب قرابة 50 بالمائة في السنة الأخيرة هذه، حيث كانت قيمة الذهب 2250 دولار للأونصة في السنة الماضية، وهي الآن قرابة 4500 دولارا.
كيف تسدد حكومة واشنطن ديونها الفلكية، إنها تسددها ببيع سندات دين حكومية، وهذا تحويل الدين من الميزانيات السنوية، إلى سندات ديون، تسمى سندات الخزينة الأمريكية (T Bills).
وتقوم بتسديد ديون العالم، وأرباح الديون، بإصدار المزيد من الديون، والمزيد من الدولارات المطبوعة، أي زيادة إجمالي بيع السندات كل سنة، ما يعني أخذ المزيد من الديون، لهذا هناك إصدار لسندات جديدة ومتنوعة، ففي كل إسبوعين، وفي كل شهر، وفي كل ثلاثة أشهر، وكل ستة أشهر، وكل سنة، وكل سنتين، وكل 3 سنوات، وكل 4 سنوات، وكل 5 سنوات، وكل 10 سنوات، وو، هناك إصدارات جديدة لسندات الخزينة (الدين).
لقد كان الناس يقبلون على شراء هذه السندات، من دون أن يعرفوا كل هذه الامور، أما الآن فبدأ الكل يعرف، ولكن الحكومات لا تستطيع أن لا تشتري هذه السندات، والآيلة للسقوط والإنهيار الكبير، لأنها تقع تحت ضغوطات سياسية وإقتصادية، والخوف من محاربة أمريكا لها، كما يتم محاربة الصين وروسيا وإيران، وهذا ما يحصل مع اليابان الأن، فالعملة اليابانية تحت ضغوط التدهور، وتفقد قيمتها بسبب ضعف إقتصادها، ولكنها لا تستطيع بيع السندات الأمريكية التي إشترتها لدعم الإقتصاد الأمريكي، لتدعم إقتصادها وعملتها الآن، خوفا من الحرب الأمريكية لها، فهي واقعة تحت كماشة تدهور عملتها وإقتصادها، وعدم قدرتها من الإستفادة من إحتياطياتها وثرواتها المخزنة في السندات.
في الأسبوع الماضي باعت واشنطن سندات بقيمة 638 بليون دولار، كما نقلت الأخبار، أي أنها حصلت على ديون جديدة، وذلك لدفع أرباح السندات، التي وجب سدادها، وأيضا لتعويض السندات التي أنتهت مدتها، ووجب سداد قيمتها للمقرضين.
وهكذا تفعل واشنطن، وهو يسمى بإدارة الدين، بمعنى كلما إنتهت مدة السندات المصدرة سابقا، تدفع قيمتها من بيع السندات الجديدة، ولمدد قادمة.
أغلب هذه السندات الجديدة هي لمدد قصيرة، لا تزيد عن إسبوعين، أو شهر، أو شهرين، لأن الناس يرفضون شراء سندات طويلة المدى، لخوفهم من المستقبل المجهول، وهذا يلقي عبأ ثقيلا ومستمرا على وزارة الخزانة، لإيجاد مشترين جدد كل يوم، في هذه الظروف غير المستقرة، والمخيفة، بسبب الحروب والمقاطعات والرسوم الجمركية والإستيلاء على أموال الحكومة الروسية والإيرانية.
وكلما زادت السندات ذات المدد القصيرة، أي مستحقة السداد بعد إسبوعين و4 أسابيع، إضطررت إلى دفع فوائد أعلى قليلا لجذب الزبائن، وكلما زادت نسبة الفائدة، زادت الديون الأمريكية، وضعفت عملتها، وضعف إقتصادها، وتوتر الزبائن أكثر وأكير، وأصبح خطر الإنهيار أكبر من ذي قبل.
تشكل السندات القصيرة المدة الآن قرابة 22 بالمائة، من إجمالي السندات الصادرة المتداولة. وكانت 10 بالمائة فقط في عام 2015م.
وهناك مشاكل أخرى تسهم في تعظيم ما سبق.
فهناك حرب ترامب لفرض رسوم جمركية عالية على الدول، كان يرجو أن يجلب قرابة ترليون دولار من الرسوم الجمركية، والرسوم في النهاية لا تدفعها الدول ولا الشركات المستوردة، بل يدفعها الناس، هكذا صارت رسوم ترامب الجمركية ضريبة جديدة على شعبه الفقير، حيث زادت أسعار السلع، وزاد التضخم، وصارت المعيشة أغلى، لهذا إضطر لأن يعوضهم، بدفع شيكا بمبلغ 800 دولار لكل أمريكي، في شهر من الشهور، وهذا كلف الخزينة قرابة مليار دولار، وهو نفس المليار الذي تم جبايته من الناس كرسوم جمركية، يعني لم تزد إيرادات الدولة في نهاية الأمر.
بل إنخفضت إيرادات الدولة قرابة 3 ترليون، بسبب الضرائب الذي خفضها على الشركات والأغنياء، أي أن الضرائب إنخفضت على الأغنياء، ولكنها زادت على الفقراء، وصار العجز في الميزانية الحكومية، قرابة 3 ترليون أخرى.
أكبر المشاكل أمام واشنطن الآن هي التكاليف الكبيرة لحروبها، خاصة حربها مع إيران، حيث أن الحرب طالت، وزادت نفقاتها، وهي حرب من أجل إسرائيل، حيث لا مصلحة لأمريكا في هذه الحرب مع إيران، إلا أملها في أن تهزم إيران، وتنهب الثروات النفطية والغازية الإيرانية، كما نهبت الثروة النفطية لفنزويلا، بعد إختطاف رئيسها مادورو، من غرفة نومه، مع زوجته، وذلك بخيانة من الحكومة الفنزويلية، والشعب الفنزويلي، لرئيسه وبلاده، بحيث عادت فنزويلا وشعبها مرة أخرى، تحت الإستعمار الأمريكي، وتحت سيطرة الشركات الأمريكية.
الحل الآخر لمشلكة ديون واشنطن، بجانب سرقة ثروات الدول الأخرى، وإجبار دول العالم على شراء سنداتها الآيلة للسقوط، وذات العائد الشحيح، هو إصدار عملات الكربتو الثابتة، أي المربوطة بالدولار، وهذه العملات هي نوع آخر من سندات الديون الأمريكية.
تسمى عملات الكربتو الثابتة، لأنها بحسب القانون كل بنك يصدرها، عليه أن يشتري بنفس مقدارها، سندات الدين الأمريكية إياها، وإلا تعرضت تلك البنوك للملاحقة والإقفال والسجن والغرامات الهائلة، وهذا يعني بيع السندات بشكل جديد، بعد توقف الناس من شرائها، يعني نفس الدواء بشكل جديد.
عندما لا تستطيع واشنطن إجبار الناس والبنوك التجارية، دونا عن الحكومات الواقعة تحت قبضتها، فإنها تريد جلب الناس لشراء وإستخدام عملات الكربتو المربوطة بالدولار، وهذا كما قلنا نوع جديد من الديون من جيوب لناس، عند شرائهم لعملات الكربتو، كأنهم قاموا بشراء السندات الأمريكية إياها.
ويتوقع الخبراء أن يحصل نظام واشنطن، على مبالغ هائلة، من إقدام الناس على تحويل ثرواتهم وودائعهم، إلى هذه العملات الرقمية، مبالغ تقارب 20 ترليون دولارا.
وهذا يعني حصول نظام واشنطن على ديون تقارب 20 ترليون، ديون مجانية، من دون دفع أية فوائد عليها للناس.
وكلما زاد الناس من إستخدام العملات الكربتو، من أي بنك كانت، إضطرت هذه البنوك إلى شراء نفس القدر من سندات الدين، وبالنظر إلى تزايد الناس، وتزايد عمليات البيع والشراء، وتزايد إيداعاتهم في البنوك، وعلى مر كل يوم، وكل سنة، ما يعني بيع السندات الحكومية للدين الأمريكي، تستمر في الحصول على تمويل لا ينتهي، ولا يتوقف، بل يتزايد كل يوم.
*يبلغ التعامل بالعملات الكربتو مبلغ 300 بليون اليوم، ويتوقع أن يتضاعف 10 مرات، في عام 2030م، ويصل إلى 3 ترليون دولار سنويا.*




