حلف مكة.. خوف سعودي أم قوة رادعة؟!
عباس سرحان ||

وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، في السابع من آب/أغسطس 2026، اتفاقية دفاع مشترك تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعدّ اعتداءً عليها جميعاً، على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو. وقّع الاتفاق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من وقّع الاتفاق، بل ماذا يعنيه، ولمن يخدم.
الأمن الخليجي، بداهةً، لا يُشترى بالتحالفات ولا بشراء المواقف أو حتى الذمم، فقد دفعت دول الخليج لترامب ثلاثة تريليون ونصف حتى الآن ولم تنعم بالأمن. الأمن الخليجي يتحقق حين تدرك الرياض وسائر عواصم الخليج أن الأمن مصلحة مشتركة لكل شعوب المنطقة، بلا استثناء يشمل حتى إيران، وأن ثروات دول المنطقة واستثمارها حق للجميع لا امتياز حصري لبعض الدول. توقيع اتفاقية أمنية دون ان تكون ايران طرفا فيها، لا يبني استقراراً، بل يكرّس منطق الاستقطاب الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه.
والمفارقة أن هذا الحلف، في تقديرنا، لا يعكس قوة سعودية مهما أحيط بأخبار وتفاصيل تغمز وتلمز باتجاه ايران، بل هو يكشف عن شعور سعودي بالضعف. فبعد أشهر من حرب أميركية-إسرائيلية على إيران اندلعت مطلع 2026 وتجددت في تموز/يوليو، ثم هدنة هشة، لم تتمكن واشنطن، بكل قواعدها وترسانتها، ومعها اسرائيل وكل دول الخليج، من توفير الأمن الذي طالما وعدت به حلفاءها في المنطقة.
بل إن تقارير مؤسسات أميركية مرموقة تحدثت عن استنزاف مخزون الذخائر الأميركية فأصبحت هي وحلفاؤها عراة أمام الصواريخ الايرانية، فيما هبطت شعبية دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة إلى نحو 35%، وهو أدنى مستوى في ولايته الثانية، وسط انتقادات متصاعدة حتى من قاعدته الجمهورية. هذا المشهد يوحي بإدارة أميركية منشغلة بخلافاتها الداخلية أكثر من انشغالها بردع إيران أو إخضاعها فضلا عن توفير الاطمئنان لدول الخليج.
ولعد كل هذه التفاصيل لابد من طرح سؤال جوهري: هل يقدر حلف مكة على إخافة إيران أو ردعها عن أي رد إذا استُهدف أمنها انطلاقاً من أراضٍ خليجية؟ الإجابة لا تحتاج عناءً كبيراً. فأميركا وإسرائيل مجتمعتين، بكل ما تملكانه من قوة نارية وتفوق تقني، لم تتمكنا من إركاع إيران أو إسقاط قدرتها على الرد، فكيف يُتوقع من تحالف أقل عدة وعتاداً أن يفعل ما عجزتا عنه؟
اذن حلف مكة، في نهاية المطاف، وثيقة قلق أكثر منها وثيقة قوة. والأمن الحقيقي لا يُبنى على استمرار حالة العداء مع الجار، بل على الحوار والمكاشفة بين دول المنطقة والاعتراف بأن استقرارها كل لا يتجزأ.




