أوسمة الهزيمة في ذكرى الحرب العراقية – الإيرانية..!
عباس سرحان ||

حين اجتاحت القوات العراقية الأراضي الإيرانية في أيلول 1980، صوّرت الدعاية البعثية ذلك التقدم على أنه عبقرية عسكرية، وروّجت رواية أن إيران هي من بدأت الحرب. بينما الحقيقة التي كشفتها الوثائق ومذكرات الجنرالات أنفسهم مختلفة تماماً. الحدود الإيرانية كانت شبه خالية من أي استعداد عسكري جدي، لأن طهران كانت غارقة في فوضى ما بعد الثورة، وسط تطهير للجيش من ضباط الشاه وتخفيض معلن لأعداد القوات.
لم يكن جيش صدام وهو يتقدم في الارض الايرانية يخترق خطوطاً دفاعية صلبة بقدر ما كان يتقدم في فراغ لم تكن إيران قادرة على ملئه في حينه، والتقدم السريع بلا معارك تذكر يكشف حتما من بدأ الحرب ومن كان لايدري عنها شيئا!
لكن ذلك الفراغ كان حالة استثنائية فرضتها فوضى اللحظة الثورية، ولم يكن واقعا ثابتا. فما إن استعاد النظام السياسي الجديد في طهران أنفاسه حتى انتهج خطاباً دينياً وطنياً ألهب جماهيره، وفي أقل من عامين انقلبت المعادلة كلياً، من حدود شبه خالية من الايرانيين إلى جبهة تزحف عليها موجاتهم البشرية بأعداد لا تُحصى. وتلقى صدام الدرس الأقسى في معركة المحمرة (خرمشهر) في أيار 1982، حين اكتسحت قوات التعبئة “الباسيج” – وهم متطوعون بلا رتب ولا دورات عسكرية، وكثير منهم مراهقون – خطوط جيش نظامي يقوده جنرالات مثقلون بالأوسمة.
تلك الهزيمة لم تكن حادثة عادية، بل صدمة دفعت صدام إلى إعلان الانسحاب إلى الحدود الدولية في حزيران 1982، بعد عامين فقط من “الانتصارات” المزعومة، فقد أدرك ان ميزان القوى في الحرب قد تغير لغير صالحه.
غير أن هزيمة كهذه تستدعي منّا التمييز بين فشل القيادة وفشل المقاتل نفسه، فحين تُقارَن صورة الجندي العراقي عبر محطات مختلفة من تاريخه يتضح أن سجله ليس أحادي اللون. هذا المقاتل سطّر بطولات موثقة على جبهة الجولان عام 1973 حين اندفعت فرقته المدرعة لإسناد دمشق، وكذلك في حرب 1948في فلسطين، وأعاد الكرّة بعد 2003 في مواجهة الإرهاب.
فهو ذاته المقاتل الذي شكّل عماد الحشد الشعبي فطهّر نحو ثلث مساحة العراق من دنس داعش في المعارك التي أعقبت 2014. لكن هذا المقاتل حين زُجّ به في القتال ضد إيران لم يكن مقتنعاً بحربٍ شنّها صدام من دون سند شعبي حقيقي، ولا مبررات مقنعة، تماماً كما لم يقتنع لاحقاً بحرب الكويت.
الحربان كلتاهما أذلّتا المقاتل العراقي، إذ وجد نفسه تحت إمرة ضباط أميين فاشلين لا تؤهلهم للقيادة سوى صلة العشيرة أو القرابة أو الولاء الحزبي، فكانوا يهينونه ويسوقونه إلى الإعدام لأتفه الأسباب، فانهارت معنوياته، وتداعت قناعاته، وسقطت عقيدته القتالية التي لم تكن أصلاً قد تشكّلت بصورة صحيحة.
لأن العقيدة العسكرية لابد أن تكون مبنية على قيم الحق والدفاع عنه، لا أن تحول الجندي الى مقاتل يشبه أي مقاتل في عصابة من قطاع الطرق تهاجم الاخرين للتوسع او للنهب.
وإذا أردنا أن نفهم أكثر كيف يُذَلّ مقاتل كان تاريخه مليئا بالانجازات، فسنجد الجواب في شخصيات من قادوه لا في قدراته هو. وبعض الأسماء التي تسجل بحقها إخفاقات كبرى كثيرة. فاللواء طالع الدوري، الذي رقّي بسرعة قياسية رغم قلة خبرته، وصفه زملاؤه بأنه تسبب وحده بمقتل نحو 1867 جندياً خلال شهر واحد في إحدى المواقع، ومع ذلك ظل يُنقل من منصب لآخر دون محاسبة.
رئيس أركان الجيش الفريق شنشل كان مترددا وعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة لتفادي الهزائم خوفاً من غضب صدام. حتى الفريق ماهر عبد الرشيد، أحد أبرز الوجوه الإعلامية للحرب، وصفه زملاؤه بأنه “من أغبى الجنرالات”، ولم يكن هؤلاء وحدهم سبب الانهيار، بل إن رأس القيادة نفسه كان جزءاً من المشكلة.
فصدام حسين، الذي نصب نفسه مهيباً رُكناً وقائداً عاماً للقوات المسلحة، لم يكن ضابطاً ولا خريج كلية أركان، ومع ذلك كان يدير المعركة بقرارات فوقية لا تستند إلى علم عسكري، مما جعل الجيش أسيراً لسلطة سياسية تتدخل في أدق تفاصيله.
والحديث عن حسين كامل وعلى حسن المجيد وعدنان خير الله والآخرين له مرارة مماثلة. ولكن على النقيض من تلك النماذج، يبرز في تاريخ العراق اللاحق مثال يثبت أن هذه المعادلة لم تكن قدراً محتوماً. والفارق يتضح جلياً حين يُقارَن سلوك جنرالات صدام بخُلق قائد مثل أبو مهدي المهندس، الذي قاد المقاتل العراقي نفسه – بعتاده وتكوينه وبيئته الاجتماعية – إلى إنجازات فاقت التصور في الحرب على الإرهاب.
فبينما بنى جنرالات صدام سلطتهم على الرهبة والانتقام وتصفية من يخطئ أو حتى من لا يخطئ، عُرف المهندس بقربه من مقاتليه ومشاركتهم مواقع الخطر، وبحرصه على كرامة المقاتل بدل إذلاله. الفارق بين النموذجين ليس فارقاً في العتاد أو التدريب، بل في جوهر العلاقة بين القائد وجنوده، والأهم في البنية الأخلاقية والتربوية للقادة أنفسهم. فالفرق شاسع بين قائد يستنزف مقاتليه ليحمي نفسه وعرشه، وبين آخر يمنحهم قضية يقتنعون بالقتال من أجلها ويخاف الله فيهم.
وعموما فإن هذه الوقائع تفضح بيئة قيادة قامت على الولاء لصدام وليس على الكفاءة، وعلى التصفية بدل إصلاح المنظومة. ولعل معركة المحمرة، ومعركة الفاو تظلان أوضح شاهد على تلك المنظومة الفاشلة.
ان ثماني سنوات من حرب استنزفت جيلاً كاملاً لم تنتج انتصاراً واحداً يستحق التذكر، بل سلسلة إخفاقات ألبسها الإعلام الرسمي أوسمة لم تكن سوى قناع لهزيمة حقيقية. والدرس الذي يستخلص بعد عقود من تلك الكارثة هو أن المقاتل العراقي لم يخذل بلاده يوماً، بل خذلته قيادات غير مؤهلة صُنعت بمقاييس الولاء للحاكم بدلا من مقاييس الحق والكفاءة والكرامة.




