الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

البعثيون ومنطق النعامة.. طبّالون يرقصون على اشلاء وطن..!

منذ أسبوعين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

 

ما إن تطلّ ذكرى انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، حتى يخرج علينا فلول البعث كأنهم فرقة أعراس فاشلة في حي شعبي، يضربون الدف وينفخون في البوق ويهزّون الوسط والأكتاف، ويرقصون بحجة الاحتفال بالانتصار على ايران، على جراح وطن حوّلوه بحروبهم وغبائهم إلى بلد ضعيف مستباح محتل.

ثماني سنوات من الحرب مع إيران افتعلها صدام بجرّة قلم، خلّفت أنهارًا من الدم ومساحات شاسعة من الخراب ونصف مليون ضحية، وأسرى ضاع شبابهم غرباء، وفارقوا أمهات وزوجات وأبناء أمضوا سنين ثقيلة ينتظرون أحبة لم يعودوا!

كأن تلك الأرقام والمعاناة والآلام والخسائر في عُرف البعثيين مجرد أغنية يمجّدون بها طاغيتهم، ويردّدونها وهم في منتهى الثمالة. ويتحدّون ضحاياهم بالإصرار على وصف تلك الكارثة بأنها كانت “نصرًا عظيمًا”، نصرًا يستحق أن يُدرَّس في كليات الأركان العالمية، وكأن تلك الكليات التي خرّجت رومل ومونتغمري وتشرشل بحاجة إلى دروس في الغباء والفشل من سلطان هاشم وعبد الجبار شنشل، والعريفين علي حسن المجيد وحسين كامل.

وحين تدير رأسك عجبًا أو قرفا وتململاً وأنت تبحث عن ملمح واحد لهذا “النصر” الذي يطبل له البعثيون، سرعان ما يرفعون في وجهك جملة واحدة قالها الإمام الخميني وهو يعلن قبوله قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الذي قضي بوقف الحرب بين البلدين “تجرّعت كأس السم”! وكأن معنى النصر أصبح فجأة هو ما يشعر به الخصم من مرارة، لا ما حققه صدام فعلًا على الأرض من اهدافه المعلنة.

ولكي لاتبقى الأحكام انطباعات شخصية، لنضع معيارًا واضحًا نقيس به الانتصارات في الحروب، فالحكم على أي حرب لا يكون بالشعارات ولا بمشاعر الطرف الآخر، بل بمقارنة ما أعلنه صاحبها أنه ذاهب لتحقيقه بما تحقق فعلًا على الأرض. والحكاية يمكن أن تشبه دخول رجل إلى بيت جاره بالفأس يريد سرقة مقتنياته، لكنه يخرج بعد ان تصدى له جاره بجولة من اللكمات دون ان يظفر بشيء. تصحبه فقط فأسه المكسورة وأنفه المعوَجّ من شدة ما أكله من ضرب، فيهرول متعثرا عائدا لمنزله بينما يلحقه صاحب الدار ويسقطه على وجهه في غرفة نومه، واللص يتوسل الجار أن يوقف مطاردته وضربه، ويتوسل الآخرين الذين تجمعوا بفعل الجلبة، أن ينقذوه من جاره. فاللص مهما زعق وادّعى لاحقا، هو وأتباعه في المقهى أو الشارع أو عبر شاشات التلفاز إنه “أدّب” جاره ولم ينهزم، لا يعدو في نظر المنصفين والعقلاء ممن شاهدوا الواقعة كونه مهزومًا، وما عدا ذلك كلام لا يشبه إلا كلام محمد سعيد الصحاف!

وصدام حسين، باعترافه هو لا بافتراء خصومه، أعلن لحربه ثلاثة أهداف واضحة، أولًا، ألغى من طرف واحد، في 17 أيلول 1980، اتفاقية 1975 التي وقّعها بنفسه قبل خمس سنوات، معلنًا أن شط العرب بأكمله “عربي عراقي” لا يقتسمه مع ايران مع انه تنازل عن نصفه سابقاً.

ثانيًا، أمر الجيش بعدها بأيام باجتياح الاراضي الايرانية الحدودية، وهو يحلم بإسقاط الجمهورية الإسلامية الوليدة بضربة واحدة. وثالثًا، أشعل، تزلفًا لخزائن الخليج التي كانت تموّل مغامرته، قضية جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى الإماراتية، مدّعيًا أنه يقاتل نيابة عن الإمارات لاستعادتها.

وقد فوجئ العراقيون بهذه المطالبة الأخيرة، وهم يرون الإماراتيين في تلك الأثناء يعيشون حياتهم بهدوء تام. يدرسون ويتاجرون ويمارسون سياستهم، بل ويزورون إيران ويستقبلون الإيرانيين، دون أي حرص منهم على ما سمّاه صدام استعادة الجزر الاماراتية.
فماذا تحقق من هذه الأهداف الثلاثة بعد ثماني سنوات من الحرب وأكثر من مليون ضحية من الجانبين معًا بحسب أقل التقديرات؟

لا شيء. عادت الحدود المائية في شط العرب إلى خط التقسيم ذاته الذي رفضه صدام وأشعل الحرب رفضًا له. ولم تسقط الجمهورية الإسلامية، بل خرجت أكثر تماسكًا مما دخلتها. ولم تُضم الجزر الإماراتية الى الامارات، بل بقيت حيث كانت. ثلاثة أهداف معلنة، وثلاثة إخفاقات موثقة، وهذه هي الهزيمة عارية واضحة شاخصة.

ولمن ما زال غير مقتنع، فليسأل نفسه سؤالًا أبسط: كيف تخرج دولة من “نصر عظيم” وقد دخلت الحرب عام 1980 ومعها احتياطي نقدي أجنبي يقارب 35 مليار دولار، لتخرج منها عام 1988 مدينة بأكثر من 50 مليار دولار، ثم يرتفع إجمالي ديونها بحلول عام 1990 بعد أن تُضاف ديون التسليح من “الاتحاد السوفياتي” والدول الغربية وقروض دول الخليج، إلى ما يبلغ 130 مليار دولار بحسب مختلف التقديرات؟ أي أن صدام حوّل خزينة عامرة إلى جبل من الديون يوازي ثلاثة أضعاف ما كان يملكه قبل أن يشعل حربه. وكان جوابه على هذا الإفلاس أن يطلب من الكويت والإمارات اعتبار ديونهما لصالحه “ثمنًا” لحماية الجزيرة العربية من “التمدد الإيراني” وحين رفضت الكويت، لم يتردد في تهديدها ثم غزوها بعد عامين فقط.

فالحرب التي سوّقت لنا كملحمة أعادت للعراق هيبته، تركته في الحقيقة مفلساً لدرجة أن غزو جاره الصغير بدا له الطريق الوحيد للخروج من عنق الزجاجة المالي الذي صنعه بيده.

وفي زاوية اخرى من مشاهد الصورة المأساوية البائسة التي رسمها صدام والبعثيون، لم يكن صدام مجرمًا في حق الإيرانيين وحدهم، فالبطل المزعوم الذي يصفق له البعثيون كان جزّارًا بحق شعبه قبل عدوّه. ففي 16 آذار 1988، أي قبل أشهر معدودة من نهاية الحرب، استخدم السلاح الكيميائي ضد بلدة حلبجة الكردية العراقية، فقتل نحو خمسة آلاف مدني في يوم واحد.

وفي الجنوب، حوّل مدينة الفاو الحدودية في البصرة، التي كانت قبل الحرب من أهم مدن العراق وموانئه، إلى أرض محرّمة على أهلها. أخلاها الجيش قسرًا حين صارت خط جبهة، ومنع سكانها من العودة إليها إلا بعد سقوط النظام عام 2003. والحال ينطبق على الشريط السكاني الحدودي الممتد من التنومة في البصرة مرورا بالقرنة والعزير وقلعة صالح وحتى آخر قرية حدودية في ديالى. ولم يسلم من بطشه حتى ضباطه وجنوده أنفسهم، فأعدم الالاف منهم كلما تعثرت جبهة من جبهاته، بتهم التقاعس أو التراجع دون إذن.

فـ”القائد الضرورة” و”بطل التحرير القومي”، الذي لم يحرر شبرًا واحدًا من أي أرض عربية يزعم أنها مغتصبة، ولم يحقق نصرًا واحدًا على الجبهة الإيرانية، تحوّل بدل ذلك إلى جزّار بحق مواطنين عراقيين عُزّل كان من المفترض أن يكون أول المسؤولين عن حمايتهم وتوفير العيش الكريم لهم. وهذا وحده كفيل بأن يجعل كلمة “نصر” هنا فاحشة لفظية لا مجرد مبالغة إعلامية.

ثم جاءت الطامة بعد عامين فقط من انتهاء الحرب، حين وجد صدام نفسه غارقًا في مستنقع الكويت والتحالف الدولي يحتشد على حدوده، كتب رسائل الاستجداء إلى القيادة الإيرانية، واقترح لقاء قمة مباشر معها، وأرسل ياسر عرفات حاملًا ما وصفه بأنه “مبادرة حسن نية من العراق إلى إيران”. وقبل غزو الكويت بأيام وقّع بيده على قبول اتفاقية الجزائر لعام 1975 كاملة بلا تحفظات -أي المعاهدة نفسها التي مزّقها قبل عشر سنوات معتبرًا تمزيقها سببًا كافيًا لإراقة كل تلك الدماء.

ثم كتب إلى الشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد علي الخامنئي: “كل ما أردتموه وكل ما شددتم عليه قد تحقق”، عارضًا سحب جيشه كاملًا وتسليم نحو ثلاثين ألف أسير إيراني قضى بعضهم عشر سنوات في الأسر، دون مفاوضات ودون مكاسب ما حدا بوزير خارجية إيران وقتها، علي أكبر ولايتي، الى وصف ذلك اليوم في تصريح نشرته “واشنطن بوست” في 16 آب 1990 بأنه “أكبر انتصار في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

فأي منتصر هذا الذي يقضي عامين يستجدي من يزعم أنه هزمه؟ أما قول الإمام الخميني “تجرّعت السم” فلم يكن اعترافًا بالهزيمة كما يدعي البعثيون، بل هي مرارة من أُجبر على وقف الحرب بعد تدخل الأسطول الأميركي في عملية “فرس النبي” يوم 18 نيسان 1988، ثم إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية (رحلة إيران إير 655) يوم 3 تموز 1988. مرارته كانت مرارة من مُنع من إتمام محاسبة صدام شخصيا على جريمة اشعال الحرب العراقية الايرانية، لا مرارة المهزوم.
و

إلا فإن ايران حررت كامل ارضها من صدام وجعلته يستجدي وقف اطلاق النار، ونصرها يكمن في هذا وفي منعه من تحقيق أيا من اهداف حربه، بينما” نصر” صدام والبعثيين يكمن في بقاء صدام في الحكم وان احرق العراق والعراقيين وهذه منتهى الخسة.