الثلاثاء - 18 اغسطس 2026
منذ أسبوعين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

 

لو كنتُ مواطناً أجنبياً، أو حتى عربياً محدود الاطلاع السياسي، قليل الخبرة بكلاوات السياسة، وسمعتُ الدعوات الأمريكية والخليجية المحمومة المطالِبة بحصر سلاح الحشد بيد الدولة العراقية، لتداعَت إلى مخيلتي صور مرعبة عن هذا السلاح. مرةً أتخيله مقاتلات إف-35، ومرةً صواريخ عابرة للقارات، وربما شيئاً من القنابل النووية والهيدروجينية، مع بعض كيلوات من اليورانيوم المخصب!

لكن الحقيقة، أن هذا “الخطر الكوني” لا يتجاوز بضع دبابات روسية قديمة، ورشاشات متوسطة وثقيلة، وعدد من الطائرات المسيّرة التي تشبه في حجمها وتأثيرها ذبابة “تسي تسي” (ذبابة إفريقية صغيرة تنقل مرض النوم، لا يتجاوز حجمها بضعة مليمترات).

صحيح أن الحشد بسلاحه البسيط حمى الدولة العراقية من السقوط ودحر أخطر مشروع مدعوم أمريكياً وخليجياً، ولكن عنصر القوة الأهم لم يكن في المدافع والرشاشات، بل في سواعد أبنائنا وصلابتهم وحرصهم على القتال حتى النفس الأخير.

ببساطة، نحن هزمنا داعش بأرواح وتضحيات وسواعد شباب العراق، وبأسلحة متواضعة لا يمكن لها أن تشكّل تهديداً لدولة أخرى مهما بالغ الإعلام في تصويرها. ولو نظر العالم إلى تلك “الذخيرة المتواضعة” بعين الصدق والإنصاف لظن أنه أمام معرض أسلحة قديمة تصلح للمتاحف أكثر مما تصلح للمعارك.

ثم خلونا نناقش فكرة “حصر السلاح بيد الدولة”. أولاً، الدولة العراقية هي المعنية بدعوة كهذه، أليس المفروض أن العراق دولة ذات سيادة وفيه حكومة منتخبة؟ إذن موضوع حصر السلاح من اختصاص هذه الحكومة حصراً.

ثانياً، إذا كان الحشد الشعبي يأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أليس هذا وحده كافياً ليكون السلاح جزءاً من الدولة؟ أم أن المقصود بالحصر أن يكون السلاح بيد السفير الأمريكي حتى يُقال إنه محصور بيد الدولة؟!

لكن يبدو أننا حين ندخل في عمق الدعوة لحصر السلاح بيد الدولة نكتشف أسوأ ما يمكن اكتشافه من كلاوات السياسة، فالحصر هنا يعني النزع، وبالعربي الفصيح يعني تجريد الحشد من سلاحه. ولكن ما هي الجريمة التي ارتكبها الحشد حتى تصر أمريكا وحلفاؤها الخليجيون على نزع سلاحه؟

بالتأكيد ليس لأنه يمتلك سلاحاً خارج الدولة كما يزعمون، فمليشيات الطاجيك والأوزبك في سوريا تمتلك سلاحاً خارج سيطرة الحكومة السورية، وهي قد صُنفت على لائحة الإرهاب أمريكياً، ومع ذلك لم تطلب أمريكا نزع سلاحها، بل رفعتها من قائمة الإرهاب ودعمتها. كذلك البيشمركة في كردستان العراق لا تأتمر بأوامر الدولة.

ومليشيات حميدتي في السودان المدعومة من اولاد العم زايد ال نهيان، تقاتل الدولة السودانية علنا، ومع ذلك لم تصنفها أمريكا على أنها مليشيات ولم تطلب نزع سلاحها.

يعني هناك شيء آخر غير هذا الادعاء. ببساطة أمريكا وحلفاؤها من العرب وغيرهم لديهم مشروع إزاحة واستحواذ في العراق، ويعتبرون الحشد الشعبي عقبة أمام نجاح هذا المشروع، لهذا يصرون على نزع سلاحه.

إذن هذه هي القصة بعد أن نجردها من حكايات جدتي وكلاوات حجي ترامب. كل قوة شيعية غير منسجمة مع المشروع الأمريكي والإسرائيلي والخليجي في المنطقة يجب القضاء عليها وسحقها.

غير ذلك، كل التفسيرات التي تتحدث عن تقوية الدولة العراقية وبسط شرعيتها ما هي إلا أكاذيب. فالدولة العراقية مستضعفة من أمريكا، منتهكة سيادتها عرضاً وطولاً، وسماءها مستباحة حد الغلاف الجوي بالطائرات الأمريكية والإسرائيلية والخليجية، وهذا كله إضعاف للدولة. يعني تصوير السلاح بيد الحشد وكأنه إضعاف للدولة نكتة تشبه نكات “دعبول الخمّار”.