الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

 مخطط أبناء الشيطان.. كيف صيغت سلسلة الأكاذيب غطاءً لضرب العراق وتصفية المحور؟!

منذ أسبوعين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

عباس سرحان

 

 

ما جرى في الأيام الأخيرة ليس حادثاً عابراً ولا مجرد خلاف ثنائي بين بغداد والرياض، بل حلقة في مخطط أوسع بكثير، مخطط شيطاني يُراد له أن يمرَّ في عتمة الدخان والاتهامات المتلاحقة. ولفهم هذا المخطط، لا بد من العودة إلى تسلسل الأحداث، حادثة بعد أخرى، لنرى كيف تراصّت كل واحدة منها لتمهّد للتي تلتها.

هل تتذكرون قصة شحنة الأسلحة التي قيل إنها ضُبطت في سوريا قادمة من العراق؟ حينها سارعت وسائل إعلام سعودية وخليجية إلى اتهام الفصائل الشيعية العراقية بإدخالها بحجة إيصالها إلى حزب الله.

الحادث نفسه تزامن مع تصريحات إسرائيلية تحدثت عن طائرات مسيّرة قادمة من العراق حاولت استهداف إسرائيل، ثم بعدها بأيام قليلة ادّعت السعودية أن طائرات مسيّرة قادمة من العراق حاولت ضرب أهداف في المملكة.

وكالعادة، اتُّهمت الفصائل الشيعية العراقية بالوقوف وراءها، مع أن جماعة أنصار الله الحوثية كانت في الوقت نفسه قد أحرقت أرامكو وتبنّت صراحة عدة عمليات ضد السعودية، ومن المنطقي ان تتهم السعودية انصار الله بدلا من اتهام الحشد الشعبي العراقي. لكنها لم تفعل!

وفي التوقيت ذاته تقريباً، تعرضت سفينة غاز وبعض المواقع في دمياط بمصر لاستهداف بطائرات مسيّرة، وسارعت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية وخليجية إلى اتهام إيران بتنفيذ العملية، دون أن يقترن هذا الاتهام بدوره بدليل معلن.

في خضم هذا السيل من الاتهامات والارتباك والتشويش، الذي لم يمنح المتلقي العربي وقتاً لفهم ما يجري، سارعت السعودية إلى قصف الحشد الشعبي في العراق، بلا دليل ولا رغبة في الجلوس لتقييم التصعيد ولا ادنى اعتبار لحرمة الاجواء العراقية، وكأنها كانت تنتظر الفرصة المواتية لضرب العراق.

وبالعودة إلى هذه الأحداث والاتهامات، فإن تفكيكها وربطها بحدث مهم وقع لاحقاً يكشف اللغز كاملاً، انه مؤتمر السعودية الذي أعلنت فيه تشكيل تحالف لحماية الملاحة في باب المندب.

هذا المؤتمر هو الذي فكّ شفرة كل الادعاءات والأحداث التي سبقته بأيام. فأميركا، الحليف الاستراتيجي للسعودية، عجزت على ما يبدو عن مواجهة إيران ولم تتمكن من حسم الحرب معها، بل ظلت تغرق يومياً في مستنقع مضيق هرمز، فلم تجد بداً -أو هكذا تهيأ لها- من تشكيل تحالف عربي إسلامي لمهاجمة إيران وحلفائها في المنطقة.

وحتى يكون هذا التحالف مقنعاً، لا بد من حدث أو أحداث تضلل الرأي العام العربي والإسلامي وتخلط الأوراق، وتجعل تمرير مشروع هذا التحالف في ظل الادعاءات أمراً مقبولاً ومستساغاً. فحتى تُقنع السعودية حلفاءها وأنصارها وأصدقاءها، وتستفز مشاعر العالم الإسلامي، لا بد أن يُقال إنها تعرضت لهجوم من ميليشيات شيعية عراقية موالية لإيران.

وحتى تُقنع مصر والمصريين بدخول هذا التحالف، لا بد من إيجاد مبرر عبر المساس بالأمن المصري، حتى يبدو تدخل الجيش المصري بكافة صنوفه وكأنه دفاع عن النفس لا انخراطاً في المحور الأميركي. وحتى تبدو هذه الرواية مقبولة، لا بد من رتوش ومحسّنات ومقدمات، فاختُلقت قصة شحنة الأسلحة المضبوطة على الحدود السورية على أساس أنها في طريقها إلى حزب الله، علماً أن هذه الشحنة اختفت من واجهات الأخبار ولم نسمع نتائج تحقيق بشأنها؛ فلم نعرف من أرسلها، ولصالح من، وكيف عبرت حدود العراق، وكيف كانت ستعبر إلى لبنان، مع أن الجانب العراقي نفى أن تكون هذه الشحنة قد عبرت أراضيه أصلاً.

ثم إن ادّعاء السعودية أنها ضُربت بطائرات مسيّرة قادمة من العراق ادّعاء فارغ فنياً من أي مصداقية، ذلك أن رادارات السعودية لا تكشف أماكن انطلاق الطائرات المسيّرة، بل تكشف مساراتها في أفضل الأحوال؛ وحتى لو صدّقنا الادعاء السعودي بأن هذه الطائرات جاءت من جهة العراق، فقد تكون انطلقت أصلاً من مكان آخر غير الأراضي العراقية، ومرّت فقط في أجوائه.

ثم إن السعودية التي عجزت عن حماية أرامكو من ضربات أنصار الله، كيف تمكنت بقدرة قادر من إسقاط جميع الطائرات القادمة من العراق، ولم تُصب واحدة منها ولو هدفاً واحداً داخل الأراضي السعودية؟ إن كل ما جرى ليس سوى قصص مختلقة لتكون غطاء لتشكيل تحالف عربي إسلامي لمهاجمة إيران وحلفائها في العراق واليمن، وربما لبنان.

المثير للقلق أن رعاة مخطط الشيطان يبثون هذه الايام عبر وسائل اعلامهم ومنها صحيفة الشرق الاوسط وقناة العربية اخبارا عما يسمونه تحذيرات من اغتيالات داخل العراق تطال شخصيات وقيادات فاعلة من الأوساط الشيعية، ويربطونها بقصة امتناع الفصائل عن تسليم سلاحها، والغاية مريبة.

هذه رسالة مبطنة، يراد لها أن تكون تمهيداً لعمليات اغتيال قادمة، ستنفذها أميركا ومحورها الخليجي في العراق، لتفجير البلد من الداخل. وهنا يكمن جوهر الخطورة. فالضربة على الحشد الشعبي لم تكن سوى المحطة الأولى الظاهرة من مخطط أعمق، غايته الحقيقية ليست تبادل اتهامات عابرة بين بغداد والرياض، بل تفكيك العراق من الداخل عبر استهداف قياداته الفاعلة.

ومن المستغرب، في ظل هذا كله، أن تصدر عن بعض من يسمون أنفسهم زعامات شيعية مواقف متعاطفة مع الطرف المعتدي، وأن تُساق خلف رواية لم تُثبت أصلاً، بل ثبت تهافتها الفني والمنطقي كما مرّ آنفاً. فحتى “المقاومة الإسلامية في العراق”، الجهة التي حُمّلت مسؤولية استهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة، نفت أي صلة لها بالأمر ووصفت الاتهام بـ”الافتراء”. وكان الأجدر بهذه الزعامات أن تتوقف عند هذا التسلسل المريب من الأحداث، بدل أن تبني موقفاً يُضعف الجبهة الداخلية في وجه مخطط لا يستهدف فصيلاً بعينه، بل يستهدف العراق ومكوناته الفاعلة كافة.

المطلوب ليس فقط إدانة العدوان، بل الانتباه إلى أن ما يُحاك هو مخطط متكامل الأركان، بدأ برواية شحنة سلاح مختلقة، ومرّ بمسيّرات غامضة المصدر لا يمكن تتبعها فنياً، وضربات لم يؤكدها دليل واحد، وانتهى -أو بالأحرى بدأ فصله الجديد- بتحالف عسكري إقليمي وتحذيرات اغتيال تستهدف قيادات عراقية بعينها. وما لم يُفضح هذا المخطط بكل حلقاته، فإن أبناء الشيطان سيجدون في تشتت الصف الداخلي وتصديق الرواية الجاهزة أفضل غطاء لإكمال فصوله المقبلة.