الثلاثاء - 18 اغسطس 2026
منذ 3 أسابيع
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

عباس سرحان

 

 

كنت في الثالثة عشرة من عمري حين اكتشفت أن للحرب أياد ملطخة بالدم. لم أكن أعرف بعد أن “الجمهورية الإسلامية” اسم لبلد، ولا أن “الحدود” خط وهمي يفصل بين ناس يشبهوننا تماماً، لكنني عرفت في تلك السنة أن السماء التي كنا ننام تحتها آمنين بعد أمسيات جميلة هادئة نعدُّ غالبا مصابيح السيارات العابرة على الطريق، صارت فجأة مصدر الخطر بعد ان توطّنتها القذائف. بدأت حرب صدام “المجنونة” ضد إيران، وبدأ معها عمري الحقيقي – عمر الخوف، لا عمر الطفولة.

كنا نسكن على الضفة الغربية لدجلة، في أبحث عن وطن، وهي منطقة كان ذنبها الوحيد أنها حدودية. تحوّلت بيوتنا – التي كانت بالأمس مسرحاً لضحكات الأطفال وسمر الجيران – إلى مسرح لمعارك طاحنة بين الجيشين قبل أن يأمر صدام بتهديم قرانا بالكامل.

لم تُهدم الجدران فقط، كان اقتلاعاً لجذور آلاف العوائل وعشرات الآلاف من الأشخاص. اقتلاع لذاكرة قرى بأكملها. في تلك اللحظة، صرنا – نحن أبناء الحدود – بلا وطن، كنا نشبه الفلسطينيين غير ان الفرق بيننا ان اسرائيل تجرّف منازلهم، بينما دولتنا هي من تولت هدم منازلنا!

سرنا أياماً تحت القصف، هاربين لا نعرف إلى أين، نمنا في العراء والتحفنا السماء. جُعنا ومرضنا، ووجدنا في النهاية مأوى لم تمنحه لنا دولتنا، بل منحه لنا أناس من سكّان هور الحمّار. أكواخ من القصب والبردي كانت جاثية كأضلاع حيوان سومري منقرض!.
شعرت لحظتها، وربما كل من شاطرتهم رحلة الهروب من تلك الحرب، أن الوطن حين يدير ظهره لك وأنت تسقط، حينها عليك أن تفكر مليا بما انت مقدم عليه.

لم نر الدولة، لم يزرنا مسؤول، ولم يسأل عنا أحد، ولم تُقَم لنا حتى مساكن مؤقتة كما تفعل دول أخرى لمواطنيها المنكوبين، لتطمئنهم وتجبر خواطرهم. شعرت – وأنا في الثالثة عشرة – أن الدولة التي أحمل هويتها لا تعرفني، ولا تعرف الآلاف من أمثالي ممن فُجعوا في تلك السنوات. كانت هذه أول مرة أشعر فيها أنني بلا وطن، لكنها لم تكن آخر مرة.

ثماني سنوات كاملة، قضمت الحرب فيها أجساداً، ونهشت أرواحاً، ووأدت أحلاماً غضة، ثم توقفت أخيراً دون أن تحقق شيئاً مما قامت من أجله. ومع ذلك، رأيت صدام يرقص” الجوبي” ويهزج طرباً، وكأن مجرد توقف النزيف إنجاز يستحق الاحتفال، بينما ابتلع دون خجل كل الأهداف التي أشعل الحرب من أجلها.

أصبحت في الحادية والعشرين، ووقفت على أطلال بلدٍ أنهكته الحرب، بعدما سُخّرت موارده كلها لاقتتالٍ عبثي دام قرابة عقد من الزمن. كان الخراب والتخلّف يزحفان في كل زاوية، يلتهمان ما كان ينتظر أن يكون مدارس، ومصانع، وحدائق، وأحلاماً طرية.

ولم نلتقط أنفاسنا بعد، حتى غزا صدام الكويت، فأحرق ما تبقى من العراق بالكامل هذه المرة، وانهارت الدولة، وفقدت كل فرصها في التقدم والتصحيح والتطوير دفعة واحدة. وما زال صدام يغني ويرقص “الجوبي”. عندها، وأنا في الخامسة والعشرين، اتخذت قراري وغادرت العراق وحيداً، كما غادره ملايين غيري، لأنني لم أعد أحتمل رؤيته يحترق مرة تلو الأخرى.

واليوم، بعد كل هذه الرحلة من الحرائق المتتالية، مازال العراق بلا سيادة وبلا قرار مستقل، وقد صار هدفاً سهلاً حتى لدول أصغر منه بكثير في محيطه، وكأن التاريخ يعيد كتابة الفصل نفسه بأسماء مختلفة. بلد كبير بالجغرافيا والتاريخ والثروة، يُهان من الجميع لأنه أضعف من أن يحمي نفسه من نفسه أولاً.

لست أدري إن كان الإحباط الذي أشعر به اليوم هو ذاته الذي شعرت به مذ كنت طفلا بلا وطن أهرب تحت القصف، أم أنه إحباط جديد وُلد من رحم خيبة أعمق.

أن نخسر وطناً مرتين، مرة بيد ديكتاتور أشعل حروباً عبثية، وحول الأرض الى افواه عملاقة تبتلع اجسادنا الحية، ومرة بيد من جاؤوا بعده، هي من أقسى التجارب التي يمكن للمرء أن يمر بها في عمره.

ولكن ما أعرفه أنني، بعد أكثر من أربعين عاماً من أول قذيفة سمعتها في الثالثة عشرة من عمري، وأصابت شظاياها طفلة بريئة في الجوار، ما زلت أبحث عن ذلك الوطن. ويا للأسف، إن أبناء جيل جديد اليوم يكررون المشهد نفسه في بحثهم عن وطن يشعرون فيه بالأمان والعدالة.