من طهران 1979 إلى مضيق هرمز 2026-كيف تُقرأ نهاية المواجهة الإيرانية الأميركية؟!
عباس سرحان ||

لم تكن العلاقة بين واشنطن وطهران يوماً علاقة عادية بين دولتين تختلفان في المصالح وتبحثان عن تسويات. فمنذ اللحظة التي أسقطت فيها الثورة الإسلامية عرش الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، اتخذت الولايات المتحدة من الجمهورية الوليدة عدواً استراتيجياً. ولم يمضِ عام واحد على قيام الجمهورية حتى وجدت نفسها في مواجهة غزو صدام حسين عام 1980، في حرب استنزفت البلدين ثماني سنوات، وسط أدلة موثقة على دعم غربي وأميركي لصدام بالمعلومات الاستخباراتية والتسليح، رغم معرفة واشنطن باستخدام العراق للسلاح الكيميائي وقصفه المدن بالصواريخ. وحين لم تحسم الحرب المباشرة الأمر، انتقلت المواجهة إلى الحصار. عقوبات اقتصادية متصاعدة منذ الثمانينيات، ثم عقوبات أممية وأحادية استهدفت قطاع النفط والمصارف والبرنامج النووي، امتدت لعقود وأثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني دون أن تُسقط النظام.
ولم يكن الحصار الاقتصادي وحده أداة المواجهة؛ فقد شهدت السنوات التالية حرباً من نوع آخر، أكثر التصاقاً بالداخل الإيراني: اغتيالات طالت علماء نوويين بارزين، نُسبت في تقارير غربية وإسرائيلية متعددة إلى أجهزة استخبارات إسرائيلية بتنسيق أميركي ضمني، إلى جانب دعم سياسي ولوجستي – وأحياناً عسكري – لمنظمة مجاهدي خلق المعارضة التي صنّفتها واشنطن نفسها “منظمة إرهابية” لعقود قبل أن ترفعها عن القائمة عام 2012. كل هذه المسارات كانت تصب في هدف واحد، وهو تفتيت الجبهة الداخلية الإيرانية أو دفعها إلى الانهيار من الداخل. لكن الجمهورية الإسلامية، على الرغم من كل ذلك، واصلت بناء قدراتها الصاروخية والنووية وشبكة نفوذها الإقليمية عبر حلفاء ووكلاء من لبنان إلى العراق واليمن.
اليوم، وبعد عقود من الحرب بالوكالة والعقوبات والاغتيالات، دخلت المواجهة مرحلة غير مسبوقة. صدام عسكري مباشر ومعلن بين الطرفين. ففي 28 /شباط 2026 شنّت الولايات المتحدة مع إسرائيل، ضربات واسعة على الأراضي الإيرانية في ما سُمّي أمريكيا “عملية الغضب الملحمي” وإسرائيليا” عملية الأسد الزائر”، أدت في ضرباتها الأولى إلى شهادة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد من كبار القادة، في ضربة قِيل إنها استهدفت “قطع رأس” النظام. ردّت إيران بإطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والمسيّرات على إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج ضمن ما أسمته “الوعد الصادق 4″، فيما تولى السيد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، قيادة البلاد. منذ ذلك الحين توسعت رقعة الحرب لتشمل لبنان واليمن والعراق، وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز جزئياً بفعل إجراءات إيرانية شملت زرع ألغام بحرية ومهاجمة عشرات السفن، قابلها حصار بحري أميركي لإيران، في مشهد وُصف بـ”الحصار المزدوج”.
وعلى الرغم من هدنة رعتها باكستان في نيسان تلاها ما عُرف بمذكرة إسلام آباد، فإن هذه التفاهمات تصدّعت خلال الصيف، لتعاود الضربات الأميركية استهداف إيران في تموز الجاري بذريعة “حماية الملاحة” في هرمز، فيما هدّدت طهران بالتنسيق مع جماعة الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب إذا استُهدفت بناها التحتية.
من يقرأ موازين القوى الظاهرة في هذه الجولة يجد أن لدى إيران أوراقاً لا يستهان بها. فترسانتها الصاروخية الباليستية، وإن تكبدت خسائر كبيرة، لا تزال محمية في أنفاق ومنشآت جبلية يصعب الوصول إليها جواً، وهو ما يمنحها قدرة على الرد المتكرر بدل الاستسلام لضربة واحدة حاسمة. كما أن قدرتها على تعطيل الملاحة في هرمز – الممر الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية – وتلويحها بتوسيع التهديد إلى باب المندب عبر الحوثيين، يمنحانها أداة ضغط اقتصادي مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى حلفاء واشنطن الخليجيين تحديداً، في وقت عجزت فيه القوة البحرية الأميركية عن إعادة فتح المضيق بشكل كامل ومستقر رغم الانتشار العسكري الكثيف. وتأتي هذه الجولة في ظرف تعاني فيه الولايات المتحدة انقساماً سياسياً داخلياً حاداً، وتململاً شعبياً متصاعداً من الانخراط في حرب مفتوحة التكاليف، إلى جانب أعباء مالية تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات وضغوط تضخمية ترتبت على ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
وما يميز هذه الجولة عن كل ما سبقها من عقود العداء أنها تجري بلا وسيط فعلي يمتلك أدوات الضغط الكافية، وبلا هامش تراجع مريح لأي من الطرفين، فواشنطن التي أعلنت أهدافاً متبدّلة بين “إضعاف القدرات العسكرية” و”منع التسلح النووي” وحتى “تغيير النظام”، لا يمكنها الانسحاب دون أن يُقرأ ذلك إخفاقاً استراتيجياً مكلفاً سياسياً لإدارة ترمب. وطهران، التي فقدت مرشدها الأعلى وعدداً من كبار قادتها العسكريين والاستخباراتيين في الضربة الأولى، لا يمكنها القبول بتسوية تُنهي قدرتها الصاروخية أو نفوذها الإقليمي دون أن يعني ذلك انهياراً لعقيدة “الردع ” التي بنتها على مدى عقود. من هنا فإن كل جولة تفاوض ستنهار سريعاً، وكل هدنة ستبدو مؤقتة لا نهائية.
هل يعني هذا أن الكفة تميل لصالح إيران؟ الأيام الأخيرة تقدّم مؤشراً كاشفاً على وجهة هذه الحرب أكثر من أي تحليل نظري. فمنذ منتصف تموز الجاري، أعلنت السلطات الكويتية تعرّض محطتي كهرباء وتحلية مياه لضربات إيرانية متتالية خلال ثلاثة أيام فقط، ما أدى إلى تعطّل عدد من وحدات توليد الطاقة والتحلية، وأضرار طالت مصفاة ميناء الأحمدي وخطوط نقل الكهرباء، إلى جانب سقوط قتلى وجرحى بين العسكريين والمدنيين. الرسالة هنا لا تحتاج إلى كثير من التأويل. يبدو أن إيران لا تستهدف الكويت لذاتها بقدر ما تجعل منها نموذجاً تحذيرياً لبقية دول الخليج المستضيفة للقواعد الأميركية، في ما يشبه إنذاراً مفاده أن استمرار الدعم لواشنطن سيجعل هذه الدول تدفع الثمن نفسه.
فتدمير شبكات الكهرباء والتحلية في دولة تعتمد كلياً على تحلية مياه البحر لتأمين مياه الشرب، في صيف بلغت فيه الحرارة نحو 50 درجة مئوية، لا يعني فقط انقطاع الكهرباء عن المنازل، بل تهديداً مباشراً لأبسط مقومات الحياة. الماء الصالح للشرب والتبريد في مناخ لا يحتمله الجسم البشري لأيام طويلة بدونهما. وهذا الاستهداف لا يصيب المواطن الخليجي وحده، بل يطال أيضاً الجندي الأميركي المتمركز في القواعد ذاتها والذي يعتمد على الشبكة المدنية نفسها لتشغيل قواعده وتبريد معداته وتأمين مياهه. بعبارة أخرى، تقول طهران لواشنطن عبر الكويت إن استمرار استضافة القواعد الأميركية والهجمات على ايران، سيجعل الحياة نفسها شبه مستحيلة في هذه الدول، لجنودها قبل السكان المحليين، وهو ما بدأ يترجم فعلاً بحركة مغادرة لأعداد من المقيمين والوافدين والمواطنين من الكويت مع تصاعد الضربات.
وقد يقول قائل إن الولايات المتحدة تملك بالمقابل القدرة على ضرب البنية التحتية الإيرانية بالطريقة ذاتها، وهذا صحيح تقنياً. لكن الفارق الجوهري يكمن في الجغرافيا والمجتمع. إيران بلد شاسع تفوق مساحته 92 ضعف مساحة الكويت، متعدد مصادر المياه والطاقة، ولا يتوقف على منشآت معدودة يمكن شلّها بضربة أو ضربتين. كما أن المجتمع الإيراني، الذي عاش أصلاً ثماني سنوات من حرب استنزاف مع العراق وعقوداً من الحصار، راكم من المِران والقدرة على تحمّل الشدائد ما يفوق مجتمعات خليجية صغيرة وغنية لم تختبر تاريخياً كلفة الحروب المباشرة على أراضيها. والأهم أن هذه المجتمعات، التي ترى في الصراع حرباً مفروضة عليها من طرف ثالث وليست حربها، تبدو الحلقة الأضعف في معادلة الصمود، ما يجعل استمرار الحرب اختباراً للقدرة على التحمّل تبدو فيه إيران، رغم خسائرها الجسيمة، في موقع أفضل نسبياً من واشنطن وحلفائها الخليجيين الذين قد يجدون أنفسهم عاجلاً أمام سؤال وجودي: هل يستحق الأمر أن تدفع دولهم ثمن هذه الحرب؟
النتيجة أن إيران تراهن على استنزاف صبر واشنطن وحلفائها ومجتمعاتهم، وهو رهان قد يثبت ـ إذا امتدت الحرب أشهراً أخرى تحت وطأة صيف خليجي قاسٍ لا يرحم ـ أنه الورقة الأكثر فعالية في يد الجمهورية الإسلامية. وعلى هذا الأساس، تميل الكفة تدريجياً لصالحها، وقد يشهد العالم قريباً خسارة موجعة تلحق بالولايات المتحدة، خسارة ستظل تلاحقها ما بقي من عمرها السياسي والعسكري.




