عندما يصبح الغموض سلاحاً: من يقف خلف التصعيد ضد إيران؟!
طه حسن الأركوازي ||

يقول الفيلسوف الصيني “سون تزو”:
« أسمى مراتب الحرب أن تُربك خصمك قبل أن تهزمه » ، ولعل هذا المبدأ لا يزال يحكم كثيراً من صراعات القرن الحادي والعشرين ، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها تصنع التفوق ، بل أصبحت الضبابية ، والحرب النفسية ، وإدارة الإدراك ، أدوات لا تقل تأثيراً عن الصواريخ والطائرات ، فحين يغيب اليقين تتسع دائرة التأويل وتصبح الشائعات جُزءاً من ميدان المعركة ، ويغدو الغموض نفسه سلاحاً أستراتيجياً .
في هذا السياق ، جاءت الضربات الأخيرة التي أستهدفت عدداً من المواقع داخل الأراضي الإيرانية لتُعيد المنطقة إلى حالة الترقب والقلق ، ليس بسبب حجم الاستهدافات فحسب ، وإنما لأن هوية الجهة المُنفذة ما زالت محل تباين في الروايات المُتداولة حتى لحظة كتابة هذه السطور ، وبين النفي والتلميح والتكهنات ، يظل التعامل المهني يقتضي التمييز بين الوقائع المُثبتة والتحليلات المُحتملة ، لأن القراءة الرصينة لا تُبنى على السباق الإعلامي ، بل على تراكم الأدلة والمعطيات .
وفي تقديري الشخصي ، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن في الجانب العسكري وحده ، بل فيما تحمله من رسائل سياسية وأستراتيجية ، فالمنطقة تعيش منذ أشهر على وقع مُواجهة مُركبة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أُخرى ، وهي مُواجهة لم تعد تُدار وفق مفهوم الحرب التقليدية ، بل عبر مزيج من الضربات المحدودة ، والردع المُتبادل ، والعقوبات الاقتصادية ، والعمليات الاستخبارية ، والحرب السيبرانية ، والضغوط الدبلوماسية .
لقد أثبتت التجارب أن جميع الأطراف باتت أكثر إدراكاً لكُلفة الحرب الشاملة ، فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في الانزلاق إلى مُواجهة مفتوحة تستنزف مواردها ، وتربك مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، كما أن إسرائيل تُدرك أن أي حرب واسعة قد تفتح عليها جبهات مُتعددة يصعب أحتواؤها ، وفي المُقابل ، تدرك إيران أن الدخول في صِدام مُباشر واسع النطاق قد يفرض عليها أثماناً أقتصادية وعسكرية وسياسية باهظة ، وهي تعيش أصلاً تحت ضغوط مُتراكمة بفعل العقوبات والحصار والعزلة الدولية .
ومن هنا ، يبدو أن الصراع أنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً ، عنوانها إدارة الضغوط لا حسم المعارك ، فكُل طرف يسعى إلى رفع كُلفة تحركات خصمه ، دون تجاوز الخط الذي يقود إلى حرب إقليمية لا يُمكن التنبؤ بنتائجها ، وهذا ما يُفسر أستمرار الضربات المحدودة ، والردود المحسوبة ، والرسائل العسكرية التي تحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونها سعياً لتحقيق أنتصار ميداني حاسم .
كما ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الموقع الجيوسياسي لإيران ، فهي ليست دولة عادية في مُعادلات الشرق الأوسط ، بل لاعب مُؤثر في ملفات الطاقة ، والممرات البحرية ، والبرنامج النووي ، وشبكة التحالفات الإقليمية .
لذلك فإن أي تحرك عسكري ضدها يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليؤثر في أمن الخليج ، وأسواق النفط ، وحركة التجارة العالمية ، وحسابات القوى الدولية الكبرى .
وفي المقابل ، فإن أستمرار العقوبات الأمريكية والإسرائيلية والضغوط السياسية والعسكرية على طهران يعكس أستراتيجية طويلة الأمد تقوم على تقليص هامش الحركة الإيرانية ، وإضعاف أدوات نفوذها ، ودفعها إلى تقديم تنازلات في الملفات الخلافية ، وفي مقدمتها البرنامج النووي ، وأدوارها الإقليمية .
غير أن التجربة أثبتت أيضاً أن الضغوط وحدها لم تنجح حتى الآن في تغيير السلوك الإيراني بصورة حاسمة ، بل دفعت طهران في كثير من الأحيان إلى تطوير وسائل ردع بديلة ، وتوسيع خياراتها غير التقليدية .
إن غياب الإعلان الواضح عن بعض العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة غياب الفاعل ، بل قد يكون جُزءاً من أستراتيجية مقصودة تقوم على تحقيق الأثر العسكري والسياسي مع تقليل الكُلفة الدبلوماسية والقانونية ، فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد دائماً على إعلان المسؤولية ، بل كثيراً ما تستثمر في الغموض لإرباك الخصم ، وإبقائه في حالة أستنزاف ذهني وسياسي مُستمر .
وفي تقديري ، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم بعدد الصواريخ التي تُطلق ، ولا بعدد المواقع التي تُستهدف ، بل بقدرة كُل طرف على إدارة معركة الإرادات .
فالولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تثبيت مُعادلة ردع تمنع إيران من توسيع نفوذها .
بينما تعمل إيران على إثبات أن الضغوط لن تنتزع منها أوراق قوتها أو حقها في التأثير الإقليمي .
وبين هذين المسارين ، تقف دول المنطقة أمام تحدٍ بالغ الحساسية ، إذ إن أي خطأ في الحسابات قد يحول الاشتباكات المحدودة إلى أزمة إقليمية واسعة .
وفي ختام هذا المشهد ، أرى أن الشرق الأوسط لا يقف على أعتاب حرب عالمية ، بقدر ما يعيش فصلاً جديداً من حرب باردة إقليمية تُدار بأدوات ساخنة .
إنها حرب لا تُقاس فقط بحجم الانفجارات ، بل بعمق الضغوط الاقتصادية ، وشدة الصراع الاستخباري ، وأتساع ساحات النفوذ ، وسرعة التحولات السياسية ، وفي مثل هذه الحروب لا يكون المُنتصر هو من يطلق الرصاصة الأولى ، بل من يمتلك القُدرة على الصبر الاستراتيجي ، وإدارة الأزمات ، وقراءة المستقبل قبل أن يفرضه الميدان .
أما الشعوب ، فهي تبقى الخاسر الأكبر كُلما طغت لغة القوة على لغة العقل ، وكلما تأخر الحل السياسي أمام إغراء التصعيد العسكري ..!




