الأحد - 28 يونيو 2026

صولة الفجر: عندما يحكم القانون يُهزم الفساد..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 28 يونيو 2026

 طه حسن الأركوازي ||

 

Screenshot

 

 

ليست الدولة القوية تلك التي تُكثر من الوعود ، ولا تلك التي تُعلن الحرب على الفساد في المُؤتمرات والخطابات ، بل تلك التي تمتلك الإرادة لفرض القانون على الجميع بلا أستثناء ، ففي اللحظة التي يصبح فيها القانون أعلى من النفوذ ، وتسقط الحصانات أمام العدالة ، وتُصان الأموال العامة من العبث ، تبدأ الدولة بأستعادة هيبتها الحقيقية .

أما حين يتغلب النفوذ على القانون فإن الفساد لا يبقى مُجرد جريمة ، بل يتحول إلى منظومة تُقوّض مُؤسسات الدولة وتستنزف مواردها وتُبدد ثقة المجتمع بها ، وقد أثبتت التجارب الدولية أن الانتقال من الفوضى إلى الاستقرار لا يتحقق بالشعارات ، وإنما ببناء منظومة عدالة مُستقلة ، ومُؤسسات رقابية فاعلة ، وإرادة سياسية لا تتردد في مُحاسبة كُل من يعتدي على المال العام ، مهما كان موقعه أو نفوذه .

ومن هنا ، فإن معركة مُكافحة الفساد ليست حدثاً إعلامياً عابراً ، بل أختباراً حقيقياً لقُدرة الدولة على أستعادة ثقة مواطنيها وترسيخ سيادة القانون بوصفها المرجعية العُليا للجميع .

لقد أنهكت عقودٌ من سوء الإدارة ، وغياب الرؤية الاستراتيجية لبناء الدولة ، وأستشراء الفساد البنية الاقتصادية والخدمية للعراق حتى أصبح المُواطن ينظر إلى أي تحرك رسمي في هذا الملف بعين الأمل والحذر في آنٍ واحد .

فالأمل نابع من حاجة البلاد إلى أستعادة أموالها وهيبة مؤسساتها .؟
والحذر مردّه تراكم تجارب سابقة بدأت بزخم كبير ثم فقدت تأثيرها قبل أن تبلغ أهدافها .؟

ولهذا ، فإن أي خطوة حكومية أو قضائية في هذا الاتجاه لا تُقاس بحجم الضجة التي ترافقها ، وإنما بقُدرتها على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة ومُستدامة .

وفي هذا السياق ، فإن ما أُعلن عن تنفيذ حملة أمنية وقضائية واسعة لمُلاحقة مُتهمين في قضايا فساد يُمثل مُؤشراً يستحق التوقف عنده ، ليس بوصفه نهاية لملف الفساد ، وإنما بأعتباره بداية أمتحان حقيقي لقُدرة الدولة على ترسيخ مبدأ سيادة القانون ، غير أن نجاح هذه الإجراءات سيظل مرهوناً بأستكمال المسار القضائي وفق الضمانات القانونية ، بعيداً عن الانتقائية أو التأثيرات السياسية ، لأن العدالة لا تُكتمل إلا عندما تكون أحكامها مُستندة إلى الأدلة والإجراءات الدستورية ، وبما يحفظ حقوق الدولة وحقوق الأفراد في الوقت نفسه .

لقد تناول عدد من المُفكرين السياسيين مفهوم هيبة الدولة ، ومن بينهم الفيلسوف الإيطالي “ميكافيلي” : الذي رأى أن هيبة الحاكم عُنصر مهم لأستقرار الدولة ، وطرح سؤاله الشهير هو هل الأفضل أن يكون الحاكم محبوباً أم مُهاباً .؟
وخلص إلى أنه إذا تعذر الجمع بين الأمرين ، فإن المهابة أولى ما دامت لا تتحول إلى كراهية .؟

غير أن مفهوم القوة في الدولة الحديثة لم يعد يُختزل في شخص الحاكم أو أدوات الردع التقليدية ، بل أصبح مُرتبطاً بقوة المُؤسسات ، وأستقلال القضاء ، وفاعلية الأجهزة الرقابية ، ونفاذ القانون على الجميع دون تمييز .
فالدولة التي تستمد قوتها من القانون تبقى أكثر أستقراراً من الدولة التي تستمد قوتها من الأشخاص ، لأن الأشخاص يرحلون ، بينما تبقى المُؤسسات الضامن الحقيقي لأستمرار الدولة .

ومن هنا ، فإن أستعادة هيبة الدولة العراقية لا تتحقق عبر الإجراءات الاستثنائية وحدها ، وإنما ببناء نهج مُؤسسي دائم يجعل مكُافحة الفساد سياسة عامة لا ترتبط بحكومة أو مرحلة سياسية بعينها .

فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بملاحقة حالات فساد مُتفرقة ، بل أقتلاع الجذور التي أنبتت الفساد وحمته لسنوات من خلال إصلاح منظومة الإدارة العامة ، وتعزيز الشفافية ، وتطوير الأجهزة الرقابية ، وإنهاء مُعادلة “المحاصصة والتوازن” التي حوّلت الولاءات إلى بديل عن الكفاءة ، وأضعفت مُؤسسات الدولة ، وأعتماد مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، وتسريع حسم القضايا أمام القضاء ، وإغلاق جميع المنافذ التي تستنزف المال العام .

كما أن الرأي العام العراقي لم يعد يكتفي بإجراءات مُؤقتة ، بقدر ما ينتظر مشروعاً وطنياً مُتكاملاً يُعيد الثقة بين المواطن والدولة ، فالمواطن الذي تحمل سنوات طويلة من تراجع الخدمات والفرص الاقتصادية يُريد أن يرى نتائج تنعكس على حياته اليومية ، وأن يطمئن إلى أن المال العام أصبح مُصاناً ، وأن الوظيفة العامة عادت تكليفاً لخدمة الوطن لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية .
وتقع على عاتق حكومة السيد “علي الزيدي” والطبقة السياسية مسؤولية تاريخية في تحويل هذا الملف إلى نقطة أنطلاق لإصلاح أشمل ، لأن مُكافحة الفساد لا تنفصل عن الإصلاح الإداري والاقتصادي والسياسي ، كما أن نجاحها يتطلب توفير غطاء كامل للمُؤسسات القضائية والرقابية والأمنية كي تُمارس دورها بأستقلالية ومهنية ، بعيداً عن الضغوط أو الحسابات الضيقة ، بما يُعزز ثقة المواطنين بعدالة الدولة ويؤكد أن الجميع متساوون أمام القانون .

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يقف اليوم أمام فُرصة مهمة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمُجتمع ، وهي فرصة لن تُقاس بعدد الموقوفين أو حجم الملفات المفتوحة ، بل بمدى قُدرة الدولة على ترسيخ قاعدة ثابتة مفادها أن “القانون والقضاء” هما المرجعية العُليا ، وأن المال العام أمانة لا حصانة لمن يعتدي عليها .؟

فإذا تحولت مُكافحة الفساد إلى مشروع إصلاح مُؤسسي مُستدام ، فإن العراق سيكون قد وضع قدميه على طريق التعافي الحقيقي .

أما إذا بقيت هذه الجهود محصورة في إجراءات مرحلية لا تتبعها إصلاحات بُنيوية ، فإن الأزمة ستُعيد إنتاج نفسها بصور مُختلفة .
إن المرحلة الراهنة تتطلب من الحكومة والطبقة السياسية أستثمار هذه اللحظة لبناء دولة المُؤسسات ، وتعزيز أستقلال القضاء ، وتمكين الهيئات الرقابية ، وأعتماد معايير الكفاءة والخبرة والمهنية والتخصص والنزاهة في إدارة الدولة ، فقوة العراق في المُستقبل لن تُقاس بما يمتلكه من موارد فحسب ، بل بقُدرته على حماية تلك الموارد بالقانون والحوكمة الرشيدة ، وعندما يصبح القانون هو السُلطة العُليا ، وتسقط الحصانات أمام العدالة ، ويتساوى الجميع في ميزان القضاء ، عندها فقط تُستعاد هيبة الدولة ، ويُهزم الفساد ، ويبدأ العراق أولى خطواته الحقيقية نحو بناء دولة قوية وعادلة تليق بشعبها وتاريخها …!