الأحد - 28 يونيو 2026

لماذا لم تصل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الثقافات العالمية؟!

منذ ساعتين
الأحد - 28 يونيو 2026

عادل شريف الحسيني ||

 

 

 

حين نقارن اليوم بين الحضور العالمي للإمام الحسين (عليه السلام) وحضور شخصيات تاريخية مثل تشي غيفارا، أو نيلسون مانديلا، أو المهاتما غاندي، نجد أن تلك الشخصيات ـ على الرغم من أنها دون الإمام الحسين شأناً وتضحية وموقفاً ـ قد حظيت باعتراف عالمي، ونفذت إلى عمق الثقافات والمجتمعات الإنسانية المختلفة.

وفي المقابل، نجد أن قصة الإمام الحسين (عليه السلام) ورسالته، على الرغم من عمقها الإنساني وقيمها التحررية العالمية، لم تأخذ مداها المستحق في الفضاء الإنساني الرحب، وظلت حبيسة إطارها المذهبي الضيق؛

فأين تكمن المشكلة إذن؟ وأين العبرة والدرس اللذان يجب أن تتعلم منهما البشرية جمعاء؟

إن الجزء الأكبر من المسؤولية والتقصير يقع، مع الأسف، على عاتق المجتمع الشيعي ومؤسساته الدينية؛ فهم المسؤولون الأوائل عن هذا الانكفاء.

لقد حُجّم الإمام الحسين (عليه السلام) وواقعة الطف في أبعاد محددة، وقُدِّم كرمز للحداد والبكاء والجزع فقط، بدلاً من التركيز على الجوانب الفكرية والنهضوية للواقعة. وانتقل الاهتمام من مبادئ الإمام الجوهرية والأساسية إلى الطقوس والشعائر التي أحاطت بمأساته؛ فبدلاً من أن تُطرح ثورته كحركة عالمية للعدالة الاجتماعية، والإصلاح، والشجاعة، ومقاومة الطغيان، جرى تخفيض هذا الإرث العظيم إلى مجرد مراسيم شكلية، وتحول الحسين في هذه الممارسات إلى “عَبرة” تُسكب لا “عِبرة” تُستلهم، وإلى كرنفال طقوسي بدلاً من ثورة فكرية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى تحويل هذه القضية إلى وسيلة للتكسب المالي والمتاجرة.

إننا نوهم أنفسنا كثيراً حين نظن أننا ببكائنا المجرد وطقوسنا السنوية قد أحيينا تراث الامام الحسين عليه السلام وحفظنا ثورته من الموت؛ فهذا لعمري هو وهم العاجزين عن تحمل المسؤولية الأخلاقية والشرعية.

إن دموعنا وإن كانت تحفظ ذاكرة كربلاء الوجدانية، إلا أنها وحدها لا تستطيع حفظ رسالة الحسين التاريخية؛ إذ لا تبقى هذه الثورة حية إلا عندما تنعكس قيمها في سلوكنا، واختياراتنا، وانحيازنا التام للحقيقة، حتى وإن كان لذلك ثمن باهظ.

لقد استسهلنا القول في مجالسنا: “يا ليتنا كنا معكم”، واخترنا صيغة الماضي “كنا” لأنها تجردنا من المسؤولية الفرضية وتلقي بها في غياهب التاريخ، بدلاً من أن نقول بلسان الحاضر والالتزام: “يا ليتنا مع الحسين” (بدون كنا)، لأن الصيغة الأخيرة تضعنا أمام مسؤولياتنا المعاصرة في مواجهة الظلم القائم في زمننا، وهو الطريق الصعب الذي يتطلب تضحية حقيقية يتهرب منها الكثيرون لأن: أكثرهم للحق كارهون.

إن الحسين (عليه السلام) لم يمت، وثورته لم تهدأ، وأهدافها في الإصلاح والعدالة والكرامة لم تتحقق بالكامل بعد؛ لذلك تستمر رسالته كصراع دائم ومستمر بين الحق والباطل. وحين يظهر مهدي هذه الامة (عجل الله فرجه) فإنه لن يكون بحاجة إلى أولئك المزيفين الذين يدعون حب الامام الحسين (ع) بالكلمات الجوفاء والطقوس المستهلكة، ولن يحاط بالباكين عجزاً، بل سيدعمه ويحيط به أولئك الذين يجسدون قيم الحسين حقيقةً، ويحملون إخلاصاً وشجاعة وإيماناً، وينجزون الوعد الذي عاهدوا الله عليه؛ تجسيداً لقوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

السؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم: هل يكفي الحزن وحده لإثبات حبنا للامام الحسين (ع) والوقوف معه في تضحيته؟ إن لكل جيل كربلاءه، ولكل مجتمع طاغيته، وعلى كل مؤمن أن يخلع عنه وهم الطقوس المجردة ليقرر بصدق: في أي جبهة يختار أن يقف؟