أربيل والعقل الاستراتيجي للبارتي… زياد الجنابي أول الصيد..!
حسن عبد الهادي العگيلي ||
كاتب وباحث في الشأن السياسي
hassanalisar@gmail.com

حين ألقت أجهزة إقليم كردستان القبض على زياد الجنابي المتهم بالاستيلاء على أموال عامة في ملف تمتد خيوطه إلى أكثر من محافظة وسلّمته إلى السلطات الاتحادية في بغداد، لم يكن ذلك إجراءً روتينياً في مسار قضائي عادي. كان موقفاً سياسياً بامتياز، يقول بوضوح إن أربيل لن تكون ملاذاً لمن يسرق المال العام، ولن تجعل من حدودها درعاً يحتمي خلفها الفاسدون.
ثمة فارق حقيقي بين السياسة التي تلاحق الحدث، وتلك التي تصنع الموقف قبل أن يُفرض عليها. الأولى تكتفي بالاستجابة أما الثانية فتدرك أن الدولة لا تُصان إلا حين تصون مؤسساتها، حتى حين يكون الثمن سياسياً باهظاً. وأربيل، بتاريخها الطويل في إدارة إقليم يواجه تحديات استثنائية، اكتسبت من هذه التجربة ما يشبه الحكمة المؤسسية: أن الشرعية لا تُبنى بالمناورة، بل بالثبات على المبدأ حين يكون الثبات مكلفاً.
الفساد ليس جريمة محلية تخص مدينة بعينها أو جهة دون أخرى. إنه ثقب في جسم السفينة، لا يفرق بين من حفره ومن لم يحفره حين يبلغ الماء القاع. وقد عبّر التراث الإسلامي عن هذه الحقيقة بصورة لا تزال تحتفظ براهنيتها حين أراد بعض ركاب السفينة أن ينقبوا في جانبهم طمعاً في ما تحته، كان الخيار الوحيد أمام العقلاء أن يمنعوهم، لا لأن حقهم في موضعهم منكور، بل لأن غرق السفينة لا يستثني أحداً. وحين تختار أربيل إغلاق الثقب بدلاً من التغاضي عنه، فإنها تُجسّد هذا العقل بصورته الأنضج.
الحزب الديمقراطي الكردستاني يدير إقليماً بكامل مؤسساته، ويخوض معارك حقيقية مع بغداد على الحصص والصلاحيات والموازنات. ولعل هذه التجربة هي ذاتها التي جعلته يدرك مبكراً أن سيادة القانون ليست تنازلاً لبغداد، بل هي أقوى أوراق أربيل حين تُريد أن تُثبت أنها نموذج لا عِبء.
ما يجعل تسليم الجنابي سابقة تستحق التأمل أن أربيل حين تتحرك، تتحرك من موقع الإرادة لا الاضطرار، ومن عمق الرؤية لا ضغط اللحظة. وهذا بالضبط ما يُميّز العقل الاستراتيجي عن العقل الآني أن يرى في اليوم ما سيُثمر بعد سنوات.
زياد الجنابي أول الصيد. وحين تسير قضيته حتى نهايتها القانونية دون وساطة ولا محاباة، فلن يكون مجرد متهم في ملف فساد، بل سيكون دليلاً حياً على أن العراق حين يُريد أن يُنقذ سفينته، يجد في أربيل شريكاً يُمسك بالدفة لا من يحفر في قاعها.




