الاثنين - 29 يونيو 2026

نحن أمة بلا هدف تعيش اللحظة، وقراراتنا مُرتجلة ولحظية..!

منذ سنة واحدة
الاثنين - 29 يونيو 2026

محمود المغربي ||

 

مشكلتنا كمسلمين وعرب أننا نعيش بلا قائمة أهداف واضحة ولا خطط مستقبلية، ولا ننظر لأبعد من أنوفنا. نعيش اللحظة، وقراراتنا مُرتجلة ولحظية، وغالبًا ما تعتمد على الفعل ورد الفعل. تحكمنا العواطف والمواقف والمصالح الآنية، سواء كأفراد أو مجتمعات أو دول.

في كل أمور حياتنا، نسير بلا هدف واضح: نذهب إلى المدارس لأن من حولنا يذهبون إليها، دون أن نملك توجهًا حقيقيًّا. نختار التخصص الجامعي بحسب ما هو متاح، فإذا كان قسم العلوم مكتملًا، نسجل في قسم الرياضيات. أما الشاطر بيننا، فيتخصَّص بما يتطلبه سوق العمل أو حيثما توجد الأموال، وليس بحسب ما يرغب فيه أو يتمتع فيه بموهبة أو حلم به طوال حياته، وربما لم يعد لدينا حتى الأحلام.

وحتى من دخلوا كليات وتخصصات تتوافق مع أحلامهم، قد يتخرجون ليجدوا أنفسهم يعملون في مجال مختلف تمامًا عن تخصصهم. وإذا سألتهم لماذا، يقولون لك: “هذا العمل فيه زلط كثير”. ونسكن حيث نجد عملاً، ونتزوج بحسب رغبات الأهل أو ما هو متاح، وليس بما تشتهي قلوبنا. وكل شيء يبدو متروكًا للصدفة والقدر.

وهكذا أيضًا هي الأنظمة والحكومات العربية. فكل شيء لديها متروك للصدفة والقضاء والقدر. تنتظر الحكومة المواطنين حتى يبنوا المنازل، وبعد أن تصبح هذه المباني مدينة أو حارة، تأتي الدولة لتُشق الطرق، وتُنشئ المدرسة، وتوصِّل الكهرباء والماء والمجاري، وذلك بعد أن تكون المنازل والمحلات قد شُيدت منذ سنوات. وكل قرارات الحكومة تأتي ردًّا على الحاجة؛ فهي تنتظر حتى تجرف مياه الأمطار المنازل، ثم تأتي الحكومة لتقول إن هذا مجرى سيول. وتصلح الحفرة وسط الطريق بعد أن تتسبب في انقلاب ثلاث أو أربع سيارات. وتبدأ حملة لمكافحة وباء بعد أن يموت ألف شخص.

بينما عند الآخرين، وضعوا خططًا ومعالجات لما سيحدث بعد خمسين عامًا. يخططون الآن لعدد السكان المتوقع بعد ثلاثين عامًا، ويحسبون كل شيء مسبقًا لتأمين الغذاء والشراب والسكن والعمل والمستشفيات والمدارس الكافية. يتحركون بأهداف واضحة وخطط مدروسة مسبقة، ويخططون لخطط بديلة وأخرى بديلة للبديلة، فإذا فشلت الخطة (أ)، فلديهم الخطة (ب) جاهزة.

مثال على ذلك: اليهود بدأوا التخطيط لاحتلال فلسطين وإقامة الكيان قبل حوالي مائتي عام، وربما قبل ألفي عام، وعملوا بجد لتحقيق ذلك. قبل 150 عامًا، وضعوا خطة للسيطرة على مكة والمدينة ودول الخليج، لبناء خط دفاع أول حول الكيان الذي كانوا يحلمون به.

وقبل مائة عام، وضعوا خطة لضرب مصر والأردن وسوريا وللاستيلاء على أراضي عام 1967. ومنذ قيام الكيان وحتى قبل ذلك بكثير، كانوا يخططون لضرب وتمزيق وتفتيت الأمة، وكل ما يفعلونه الآن هو نتيجة خطط وضعت قبل عقود.

ومنذ ظهور حزب الله، عمل العدو على اليوم الذي سيتم القضاء فيه عليه. وقبل أن يقدم نتنياهو على توجيه ضربة لإيران، كان قد أعَّد الخطة قبل سنوات، واخترق إيران، وأعد قائمة بأهداف محددة، وانتظر الظروف المناسبة على الأرض الإيرانية لتحقيق ذلك. وكان لديه خطة بديلة، وعندما بدأ العدوان على إيران، ذهب لضرب الأهداف التي حددها لنفسه.

أما نحن العرب والمسلمون، فنعيش اللحظة، نرتجل ونتحرك فقط لرد الفعل، للدفاع عن أنفسنا. مع أننا كنا نعلم أن كل هذا سوف يحدث، وقد حذرنا الله ورسوله قبل 1400 عام، لكننا لم نفعل شيئًا.

وحتى إيران، التي اتخذت من أمريكا والكيان عدوًا لها منذ خمسين عامًا، كانت تعلم أن العدو يعمل بكل قوة لضربها والقضاء عليها. وعلى مدى السنين الماضية، اشتد عمل العدو، ووجّه لها عدة ضربات، بل أفصح عن نفسه وهددها بشكل صريح ومع ذلك، فوجئت إيران بالعدوان، ولم تكن مستعدة، ولم يكن لديها قائمة أهداف حقيقية داخل الكيان.

اعتمد رد فعلها على الفعل ورد الفعل، وخاضت المعركة من موقع الدفاع حتى اللحظة الأخيرة. مع أن إيران، وكل العرب، هم أصحاب الحق والقضية، ومن المفترض أن نكون نحن من يهاجم، وأن يكون لدينا هدف واستراتيجية واضحة للهجوم على الكيان.

كان من المفترض أن تكون لدينا قائمة أهداف دقيقة مرتبة بحسب الأولويات، وخطة واضحة لاستئصال هذا الورم الخبيث من جسد الأمة. وأن تكون لدينا عشر خطط بديلة لكل خطة، وألا نطلق رصاصة واحدة إلا ونحن نعلم ماذا يأتي بعد ذلك، وما هو الهدف والتأثير والتداعيات على كافة الأصعدة الداخلية والخارجية، وما هي النتائج المتوقعة.

فالله — الذي ليس كمثله شيء — ونحن خليفته في الأرض، خلق كل شيء بخطة وميزان دقيق، وقدر كل شيء تقدير العليم الحكيم. والكون كله يسير وفق حسابات دقيقة، استطاع البشر رصد مواقع النجوم والأقمار، وتحديد مكان كل منها بعد عام، لدرجة أصبحنا نعرف متى سيحدث الكسوف والخسوف، ومتى يأتي الصيف والشتاء.

والشعوب الأخرى تعيش وفق خطط وأهداف مدروسة تمتد لعقود، بينما نحن لا نزال نعيش الفعل ورد الفعل، ونقول: “على الله”، و”باكر يحلها الله”.

نعم، نحن نؤمن بالله ونؤمن أن كل شيء بيد الله، ونتوكل عليه، ولكن الله وضع لنا الأسباب، وأمرنا أن نأخذ بها، وأن نتوكل عليه، وليس أن نتواكل عليه.

العالم يتغير، والمنطقة تشهد تحولات تاريخية، وكل يوم يمر بدون خطة استراتيجية يعني المزيد من التخلف، والضعف، والخسائر. علينا أن نتعلم أن نفكر بعقل، وأن نخطط بحكمة، وأن نعمل باستراتيجية، وأن ننظر إلى المستقبل لا فقط إلى الحاضر.

فإن لم نبدأ الآن بالتخطيط لمستقبلنا، فلن يكون لنا مستقبل لنعيش فيه.