إيران بين الصمود والفشل الداخلي: هل كان العدوان كشفًا للضعف أم اختبارًا للتماسك؟!
محمود المغربي||

لم تنتصر إيران انتصارًا واضحًا ومعلنًا، لكنها صمدت أمام ما يمكن وصفه بـ”مؤامرة وحرب عالمية”، كان الكيان الصهيوني الواجهة الرئيسية لها. وفي مثل هذه المعارك الاستراتيجية، لا يُقاس النجاح والفشل بالشعارات أو الإعلانات السياسية، بل بمدى تحقيق الأهداف المعلنة والخفية من العدوان.
الهدف المعلن من الحرب على إيران كان تدمير برنامجها النووي، بينما الهدف الخفي كان إسقاط النظام الإسلامي القائم فيها. وبتحليل الواقع بعد العدوان، يمكن القول إن الكيان الصهيوني لم يحقق هدفه الأساسي، وإن نجح في إلحاق خسائر جزئية ببعض مرافق البرنامج النووي عبر تدمير منشآت واغتيال علماء، إلا أن هذا لا يعني تدمير البرنامج نفسه.
فالبرنامج النووي الإيراني ليس مجرد مبانٍ وعلماء، بل هو ثمرة أربعين عامًا من البحث والتطوير، وتأهيل آلاف العلماء المتخصصين الذين اكتسبوا الخبرة والمعرفة داخل البلاد. وكل ما تم تدميره يمكن إعادة بنائه، خاصةً أن جميع مكونات البرنامج تُصنع محليًّا، دون الحاجة إلى استيراد أي شيء من الخارج.
أما الهدف الثاني، وهو إسقاط النظام، فكان الفشل أكثر وضوحًا. صحيح أن العدو استطاع اغتيال شخصيات بارزة كانت تُعد من أعمدة المشروع الثوري، لكن النظام الإيراني ليس أفرادًا فقط، بل هو فكرة ومنهج وتجربة متجذرة في عقول غالبية الشعب الإيراني، وهو ما يفسر صعوبة اختراقه أو تغييره بالوسائل التقليدية.
لكن ذلك لا يمنع وجود فشل داخلي حقيقي. فالاختراقات الأمنية والتقصير في التعامل مع التهديدات، أدت إلى تعطيل قدرات كبيرة لدى إيران، لم تُفعَّل وقت الحاجة. ويؤكد المراقبون أن إيران لم تستخدم سوى نحو 15% من قوتها العسكرية، ممثلةً في الصواريخ التي أجبرت أمريكا والكيان الصهيوني على التراجع، بينما بقيت باقي الإمكانات معطلة وغير فاعلة.
من هنا، تظهر الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة داخل إيران، تشمل فتح تحقيق دقيق في أسباب هذا التقصير، ومعاقبة من تسببوا في شل هذه القدرات، ووضع استراتيجية واضحة لتفعيل كل مقومات القوة الإيرانية، حتى تكون مستعدة لأي مواجهة قادمة.
ورغم كل ما سبق، فإن أهم انتصار حققته إيران هو تماسك الجبهة الداخلية، ووحدة الصف الشعبي في وجه العاصفة. هذا التماسك يُعد انتصارًا استراتيجيًّا لا يُضاهى بأي نجاح تكتيكي. أما الكيان الصهيوني، فقد تعرض لضربة نفسية وسياسية عميقة، حيث ظهر تفككه الداخلي وجبنه أمام الرد الإيراني، مما أدى إلى تصدع في بنيته الاجتماعية والنفسية.
ختامًا، قد يكون العدوان الأخير كشفًا لبعض نقاط الضعف داخل المنظومة الإيرانية، لكنه أيضًا أكد قدرة الدولة والشعب على التحمل والصمود، وأثبت أن إيران ليست دولة سهلة الانكسار، وأن مشروعها الإسلامي ليس مجرد رؤية مؤقتة، بل هو حاضر في وجدان الأجيال القادمة.




