حين تتحول الحكومة والمقاومة الى خصمين .. العراق أنموذجاً..!
الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

ان ما يحز بالنفس كثيرا هو ما وصل اليه الوضع في العراق وحالة التشنج ما بين الحكومة الجديدة ومحور المقاومة ذلك المحور الذي قدم الالاف من الشهداء والجرحى والمعاقين وترملت المئات والالاف من النساء وتيتم عدد كبير من الاطفال وهذا الشيء يحز في النفس حيث العتب الكبير على هذه الحكومة التي استعجلت في قراراتها والتي تعطي انطباعا للمتابع بانها تنفذ اجندة خارجية وهذه الاجندة معروفة وبالتالي ما يريده اصحاب هذه الاجندة هو الصدام والاقتتال الشيعي – الشيعي والذي يكون فيه الخاسر الوحيد هو العراقي والعراقين ،
ومتى ما كان القرار عراقيا وهذا ما اتمناه على الجميع ان يجلسوا على طاولة واحدة كعراقيين وان تكون خارطة العراق هي من تتوسطهم عند ذلك فان هذا القرار سوف يكون مرحبا بهم كل الاطراف ويبقى علم العراق هو العلم الوحيد الذي رفرف والذي لم يكن لدى الاخوة في محور المقاومة اي اعتراض بل كانوا يقاتلون ويستشهدون تحتهم راية هذا العلم وعلى تراب العراق وعلى الحكومة ان تراعي وتضع في حساباتها هذه التضحيات وهذه الدماء وان يتنازل الجميع عن الانا وان يضعوا المصالح الشخصية جانبا وان يضعوا العراق والعراقيين فوق كل الاعتبارات عندها سوف لن يكون هنالك اي مانع ولن يكون هنالك اي احتكاك واي ضغينه او تقاطع
سوف اتناول هذا المقال التحليلي إشكالية العلاقة الجدلية بين مفهوم الدولة وسيادتها الوطنية من جهة، وفصائل المقاومة وسلاحها خارج أطر المؤسسات الرسمية من جهة أخرى، مع التركيز على النموذج العراقي.
المقاومة والدولة: صراع المفاهيم والشرعيات
يرتكز مفهوم الدولة الحديثة على مبدأ أساسي أرسته أدبيات العلوم السياسية (وتحديداً مكس فيبر)، وهو “حكر الاستخدام المشروع للقوة المادية” بيد المؤسسات الدستورية والأمنية الرسمية. وفي المقابل، تنشأ حركات المقاومة عادة في ظروف استثنائية (كالإحتلال أو الفراغ الأمني) لتمارس القوة بناءً على “شرعية ثورية” أو “أيديولوجية”.
عندما يستمر حضور المقاومة وتأثيرها المسلح رغم تشكل مؤسسات دولة دائمة ودستورية، يتحول المسار من التكامل الظاهري إلى الخصومة الصريحة حول ثلاثة محاور رئيسية:
أ – السيادة وقرار الحرب والسلم: هل يُتخذ القرار داخل المؤسسات الدستورية أم عبر غرف عمليات الفصائل؟
ب – الشرعية والأمن: من يحمي المواطن وينفذ القانون؟
ج – العلاقات الخارجية: صياغة سياسة خارجية متوازنة أم الالتزام بمحاور إقليمية عبر عابرة للحدود.
الحالة العراقية: تفكيك النموذج
يمثل المشهد العراقي نموذجاً مركباً لهذه الإشكالية، حيث مرّ العلاقة بين الدولة والفصائل بمسارات ومحطات تاريخية وسياسية متعددة:
1 – نشأة ثنائية السلطة والسلاح
بعد عام 2003، ظهرت الفصائل المسلحة لعدة أسباب، أبرزها مواجهة الاحتلال الأمريكي، ثم تغذية الصراعات الطائفية. ومع صعود تنظيم “داعش” عام 2014، برزت الحاجة الوطنية والعسكرية للجهد الشعبي المسلح، مما أدى لصدور فتوى الجهاد الكفائي وتأسيس “الحشد الشعبي”.
2 – التأسيس القانوني والتحدي التنفيذي
تم إصدار قانون هيئة الحشد الشعبي عام 2016 لإدماج هذه القوات رسمياً ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية التابعة للطف المباشر للقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء). لكن تطبيق هذا التشريع اصطدم بشرطين واقعيين:
1 – التداخل السياسي والعسكري: امتلاك بعض الفصائل أجنحة سياسية ممثلة في البرلمان والحكومة.
2 – استقلالية القرار الميداني: احتفاظ بعض التشكيلات بشرعية أيديولوجية وإقليمية تجعل من قيادتها المركزية أحياناً أعلى من التسلسل الهرمي للجيش.
مظاهر الخصومة بين الطرفين
تتجلى الخصومة غير المعلنة بين الدولة والفصائل في العراق عبر مسارات رئيسية:
1 – احتكار السلاح والتصادم الأمني: تتكرر الأزمات عند محاولة الدولة فرض سلطة القانون على عناصر أو مجاميع مسلحّة تتجاوز المؤسسات، مما يخلق حالة من “الردع المتبادل”.
2 – ازدواجية القرار الخارجي: تسعى الدولة لبناء علاقات متوازنة مع المحيط العربي والدولي ولتحييد العراق عن الصراعات الإقليمية، بينما تعتبر الفصائل العراق جزءاً لا يتجزأ من جبهات ومحاور إقليمية واسعة.
3 – الاقتصاد السياسي للاستقرار: يؤدي تعدد مراكز القوة والسلاح غير الخاضع للسيطرة إلى تراجع ثقة المستثمرين، وإضعاف بيئة الأعمال، واستنزاف موارد الدولة في توازنات سياسية بدلاً من البناء والتنمية.
الأفق والسيناريوهات الممكنة
إن حسم هذه الخصومة يتوقف على قدرة الأطراف العراقية على الانتقال من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى “بناء الدولة المستقرة”، وذلك من خلال ثلاثة مسارات:
1 – الاحتواء والتكامل المؤسساتي الشامل: التفعيل الكامل والفعلي لفك ارتباط الفصائل بالقيادات السياسية والأيديولوجية، وإخضاعها بالكامل للتسلسل الهرمي العسكري.
2 – التوافق السياسي الشامل: الوصول إلى ميثاق وطني يحدد دور السلاح ووظيفته بحصر الاستخدام بيد الجيش والقوات الأمنية العراقية حصراً.
3 – استمرار حالة “اللاتوازن”: بقاء الدولة في حالة ضعف هيكلي، يُدار فيها القرار عبر التوافق السياسي الهش دون حسم مسألة السلاح، مما يبقي خطر المواجهة أو الشلل الحكومي قائماً عند كل أزمة إقليمية أو محليّة.
إن تحوّل العلاقة بين الدولة والمقاومة في العراق من التأسيس والمساندة إلى الخصومة الهيكلية يمثل أزمة في جوهر “مفهوم الدولة” وشرعيتها المزدوجة بين القانون والسيادة.
أولاً: الإشكالية النظرية – صراع “الشرعية القانونية” و”الشرعية الثورية”
تكمن الإشكالية في ازدواجية مفهوم الشرعية والسلطة داخل الرقعة الجغرافية الواحدة:
شرعية الدولة (Weberian State): تقوم على الدستور، واحتكار السلاح، وحصرية قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الرسمية (الرئاسات الثلاث، البرلمان، والقيادة العامة للقوات المسلحة).
الشرعية العقائدية/الثورية (Vanguard Legitimacy): تستند إليها فصائل المقاومة، حيث ترى أن وجودها مرتبط بقضايا أيديولوجية وعابرة للحدود (كالمقاومة ضد النفوذ الأجنبي أو نصرة القضايا الإقليمية)، وهي شرعية ترى نفسها أعلى من النصوص القانونية المحلية أو متقدمة عليها عند تعارض المصالح.
هذا التباين يخلق حالة من “السيادة المتشظية” (Fragmented Sovereignty)، حيث تتنافس مؤسسات الدولة الرسمية مع الكيانات المسلحة على ممارسة وظائف السلطة الأساسية.
ثانياً: مظاهر الخصومة البنيوية في النموذج العراقي
تتعدى الخصومة المسألة الأمنية المباشرة لتطال بنية النظام السياسي والاجتماعي في ثلاثة محاور رئيسية:
1 – ازدواجية القرار الاستراتيجي والأمني
أ – الاستراتيجية الدفاعية: تخضع الدولة لالتزامات دولية وتوازنات إقليمية دقيقة، بينما تعتمد الفصائل استراتيجية “حرية الحركة الميدانية”، مما يجعل الدولة في مواجهة مستمرة مع الضغوط الخارجية نتيجة أعمال هجومية غير منسقة.
ب – إدارة الأزمات: تجد القيادة العسكرية نفسها أمام تحدي إمساك الأرض والأمن الداخلي من جهة، وتجنب التصادم المباشر مع تشكيلات مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً واجتماعياً من جهة أخرى.
2 – التداخل بين السلطة والسياسة والسلاح
أ – دائرة النفوذ المزدوج: تمتلك العديد من الفصائل أجنحة سياسية ممثلة في البرلمان والحكومة، مما يسمح لها بالتأثير في صياغة القوانين ورسم سياسات الدولة الأمنية والمالية من الداخل، مع الاحتفاظ بآلية الضغط المسلح من الخارج.
ب – الاقتصاد السياسي للشرعية: يسهم النفوذ المسلح في تشكيل شبكات مصالح واقتصاديات موازية تستنزف موارد الدولة وتضعف البيئة الاستثمارية والمؤسساتية.
3 – أزمة الهية والتجانس الوطني
تعدد مراكز التأطير الفكري: تطرح الفصائل خطاباً يعتمد المظلومية العابرة للحدود أو الهوية الأيديولوجية الضيقة، مما يتعارض مع مشروع الدولة القائم على الهوية الوطنية الجامعة والمواطنة المتساوية.
ثالثاً: ديناميكيات العلاقة – من التكامل إلى التنافس
مرّت هذه الثنائية بثلاث مراحل مفصلية:
اولاً – المرحلة
1. التأسيس والمواجهة (2003 – 2014)
2. التلاحم الضروري (2014 – 2017)
3. المأسسة والتنافس (2016 – الحاضر)
ثانياً – طبيعة العلاقة
1. فراغ وتوازنات قلقة
2. تكامل شرعي وميداني
3. خصومة وهيكلة معقدة
ثالثاً – المظاهر والآليات
1. نشأة الفصائل لمواجهة الاحتلال ثم الانخراط في الصراعات الداخلية وتعبئة الفراغ الأمني.
2. صدور فتوى الجهاد الكفائي وتأسيس “الحشد الشعبي” للقتال ضد تنظيم داعش، حيث توحدت أهداف الدولة والفصائل.
3. صدور قانون الحشد الشعبي لمأسسة القوة، بالتوازي مع تصاعد الخلاف حول حصر السلاح واستقلالية القرار الخارجي.
رابعاً: المسارات المستقبلية والأفق السياسي
يقف النموذج العراقي أمام ثلاثة سيناريوهات حتمية لحسم هذه الإشكالية:
1 – خيار الاندماج العسكري والفكري الكامل (Institutional Integration):
تحويل القوات والفصائل إلى أجهزة عسكرية وأمنية خاضعة كلياً وتراتبياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، مع حل الأجنحة المسلحة للأحزاب وإبعاد المؤسسات الأمنية عن التجاذبات السياسية.
2 – ترسيخ النموذج المزدوج (Hybrid State):
استمرار الصيغة الحالية القائمة على التوافق السياسي المرن وإدارة الأزمات المقطعية، حيث تظل الدولة واجهة رسمية بينما تمتلك الفصائل الفاعلية الميدانية والقرار الاستراتيجي الحاسم.
3 – أزمة الصدام أو التفقد المؤسسي (Institutional Breakdown):
وقوع مواجهة في حال حدوث متغيرات إقليمية حادة تفرض على الدولة اتخاذ مواقف تصادمية، مما يؤدي إلى شلل المؤسسات الرسمية وزيادة مخاطر الانقسام الداخلي وهذا هو تحديداً ما تريده أمريكا ودول الخليج والكيان الغاصب .




