الثلاثاء - 18 اغسطس 2026
منذ أسبوع واحد
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

 

 

عادة نجلس أمام أبنائنا نردد ما كان يردده اباؤنا أمامنا حين كنا صغارا، نتحدث عن التقوى وحسن الخلق ونبل السريرة، فنوصيهم بالصدق ونحذّرهم من الكذب، وننهاهم عن اللصوصية بكل أشكالها، ونذكّرهم بحدود الله وحقوق الناس، ظانّين أننا نزرع فيهم بذرة الفلاح في الدنيا والآخرة. وفي وسط هذا الخطاب الذي نعتقد انه رصين، نلمح على شفاه بعضهم وربما كلهم ابتسامة ماكرة، تخفي خلفها كلمات ساخرة “بابا، هذا الكلام مايوكل خبز”.

المشكلة، أيها الآباء، أننا نتحدث بلغة عفا عليها الزمن. نحن نبيع بضاعة “الرجل الفاضل” في سوق لم يبق فيه لهذه البضاعة الكثير من الزبائن. الرجل الفاضل في قاموسنا هو من يعفّ يده عن المال الحرام، وإن بقي فقيراً، فالاحترام أهم وأنبل من الغنى المقرون بالوضاعة. هذا ما تعلمناه ونحاول ان نعلمه ابناءنا.

الرجل الفاضل في عرفنا نحن الآباء لا يضيره أن يركب دراجة هوائية ويقف في محطة المواصلات، ولا يكترث كثيرا اذا لم يقتن “جكسارة” أو “تاهو”، ولا يسعى لامتلاك “فلة” كتلك التي لدى أبو مازن.

لكن الرجل الفاضل في قاموس أبنائنا، لايشبه من ندعو له بل يشبه عدنان الجميلي واحمد الاسدي وفرحان الفرطوسي ونماذج كثيرة يعرفها الجميع ولا يحتاج أحد إلى التعريف بها.

الرجل الفاضل الذي يتمنى الأبناء أن يكونوا مثله، يملك عقارات لا تُحصى، ويتجول بجواز سفر دبلوماسي كأنه في نزهة دائمة، وتُروى عن ثروته حكايات تُعجز الخيال، حتى صار “المال المدفون في التنانير والمجاري” نكتة يتداولها الصغار والكبار.

هكذا انقلبت المعايير رأساً على عقب. الفقر الشريف صار عيباً، والغنى المشبوه صار “شطارة” تستحق الإعجاب. وصدّقوني، لا يمكن أن تلوموا أبناءكم كثيراً، فهم لا يخترعون النماذج، إنما يجدونها أمامهم منذ عقود في مشهد يتكرر باستمرار.

الفاسد يُقابَل بالحفاوة، ويُستقبَل في الصدارة، وتستضيفه الفضائيات ليتحدث عن الأمانة والشرف بابتسامة واثقة لم تهزها يوماً تهمة فساد ثبتت عليه او لم تثبت، بينما الرجل الأمين يبقى في الظل، لا صورة له ولا اسم، غايته القصوى أن يوفّر إيجار البيت في آخر الشهر. وربما يجد من ينعته بالفشل لأنه لا يشبه فلان الفاسد المتنعم.

وسط هذا البريق الطاغي وامتلاء الدنيا بملذاتها ومغرياتها، لم يعد أبناؤنا يكترثون كثيراً بقيم المرء وثقافته وقربه من ربه، بل صارت الأسئلة الحقيقية التي تشغل بالهم هي: ماذا يملك؟ وما نوع سيارته؟ وكم في حسابه من الأموال؟ وكم دولة زارها بجواز سفره؟
لم تعد “التقوى” رقماً مهما يُحسب في معايير التقييم الجديدة، بل استُبدلت بجدول مقارنة صريح عن عدد السيارات، مساحة القصر، أرصدة البنوك، وقوائم السفر. إنه زمن عصيب هذا الذي نعيش فيه، زمن أعطى فيه لصوص المال العام لأبنائنا نموذجاً خطيراً براقاً، مبهرج الشكل، رخيص الجوهر، لم نتمكن نحن الآباء البسطاء بكل نصائحنا الدينية والأخلاقية أن نجاريه أو نقف بوجه سطوته.

والأعجب من ذلك أنني، وكل أب يشبهني، أصبحنا في محنة مضاعفة، فحتى النموذج التقليدي البديل، صاحب العمامة والجبة، لم يعد يصلح قدوة جاهزة، بعد أن ثبت أن كثيراً من هؤلاء كانوا هم أنفسهم غطاءً لمن نهب البلد، أو شريكاً صامتا على النهب، أو أحياناً شريكاً في تقسيم الغنيمة. فإلى أين نتجه؟

كل نموذج نرفعه أمام أبنائنا كقدوة، نجد وراءه من يهدمه بفضيحة جديدة، حتى بتنا كالغريق الذي يبحث عن قشة، فلا يجد.

فماذا نفعل، أيها الآباء المتعبون؟ هل نستمر في الوعظ ونحن نعلم أن أبناءنا يسمعوننا خجلا وهم يكذّبوننا في قرارة أنفسهم؟ أم نُقِرّ أمامهم بصراحة أن الطريق الذي نرسمه لهم طريق لم يعد مناسبا للسالكين، وأن الفضيلة في زمننا هذا صنعة من لا حرفة له؟