السياسيون الشيعة… مراجعة مؤجَّلة في زمن لا يحتمل التأجيل..!
عباس سرحان ||

يعيد المشهد الإقليمي رسم خرائطه بوتيرة لم تعد تراعي التصنيفات القديمة. فـ”تحالف مكة” الذي بدأ يتشكّل كإطار جامع بين عواصم كانت إلى وقت قريب ليست منسجمة جدا، مؤشر على أن المعادلات الدولية القديمة، وفي مقدّمتها طبيعة العلاقة الأميركية بالفاعلين الإقليميين، في طور إعادة تشكّل لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
أمام هذا المشهد المتحرك، يصعب تجنّب السؤال المباشر التالي: أين الموقع السياسي للشيعة العراقيين من كل هذا؟ وهل ما زال الأداء القائم على إدارة الأزمات يوماً بيوم اسلوبا كافياً في وقت تعاد فيه صياغة التحالفات استراتيجيا من حولنا ؟
الإجابة عن هذا السؤال تستدعي مراجعة جادة وصريحة لأداء الممثلين السياسيين الشيعة على مدى السنوات الماضية. ماذا تحقق فعلاً من الشعارات التي رُفعت؟ وأين موقع القرار الشيعي العراقي اليوم مقارنة بموقعه قبل سنوات؟ وكم أثرت فرقتهم على موقعهم وأدائهم وتأثيرهم السياسي؟
من دون هذه المراجعة، سيبقى الاتجاه العام محكوماً بردود الأفعال لا بخيار واعٍ، وهو ما لم تعد المرحلة تحتمله. هذه المراجعة لا يمكن فصلها عن ملف آخر لا يقل إلحاحاً، وهو اتساع المسافة بين القيادات السياسية الشيعية وجمهورها. بصرف النظر عن الأسباب التي تُساق لتفسير هذا الابتعاد، سواء كانت ضغوطاً خارجية أو انشغالاً بصراعات داخلية أو تراكم ملفات الفشل في الخدمات والأمن، فإن الأولوية اليوم ليست في تبادل الاتهامات حول من يتحمّل المسؤولية، بل في فتح نقاش جاد حول السبل الكفيلة باستعادة الثقة الشعبية المفقودة.
فثقة الجمهور ليست رصيداً نستدعيه وقت الحاجة الانتخابية، بل هي أساس الشرعية التي تستند إليها أي قيادة سياسية في مواجهة التحديات الكبرى، إقليمية كانت أو داخلية.
من الواضح أن الشيعة لم تعد لديهم تحالفات خارجية، وأن هناك فجوة واضحة مع جمهورهم. وإذا كانوا لا يملكون سندًا دوليًا ولا قاعدة شعبية متماسكة، فإن أي هزة سياسية أو اجتماعية قد تكون كفيلة بتهديد موقعهم، وهو ما يجعل استعادة الثقة بالجمهور ضرورة وجودية لا خيارًا سياسيًا. لذا يصبح من الضروري الانتباه إلى أهمية استعادة الثقة بالجمهور، باعتبارها خط الدفاع الأول أمام التحديات.
وفي صدارة هذا المشهد يقف الإطار التنسيقي، الذي بات يُلاحَظ عليه أنه فاقد للمبادرة، وأن دوره في الغالب ينحصر في اختيار رئيس للوزراء عند كل استحقاق، من دون أن يملك إلى جانب ذلك آلية واضحة لمتابعة أدائه أو مساءلته خلال فترة حكمه.
وهذا الخلل البنيوي له كلفة سياسية باهظة. فكل خطأ أو إخفاق يرتكبه رئيس الوزراء يُحتسب تلقائياً على الإطار الذي رشّحه، بينما لا يملك هذا الأخير سوى أن يستقبله في نهاية المطاف ليجلس جنباً إلى جنب مع أعضائه، محمَّلاً بسجل من الإخفاقات والاتهامات والانتقادات الشعبية التي تراكمت من دون أن يكون للإطار دور فعلي في تصحيح مسارها أثناء حدوثها.
هذا الوضع يُثقل كاهل الإطار سياسياً ومعنوياً وشعبياً، ويضعه في مواجهة مباشرة مع جمهوره هو بالذات، لا مع خصومه. ولذلك فإن المطلوب لا يقتصر على حسن الاختيار عند الترشيح، بل يمتد إلى ابتكار أدوات رقابة ومتابعة دورية فعلية، تجعل من الإطار شريكاً في الأداء طوال المدة الحكومية، لا متفرجاً.
يضاف إلى ذلك انطباع رسخ في الشارع، وهو أن الإطار التنسيقي يبدو أكثر انشغالاً بمعالجة قضايا وملفات لا تخص جمهوره المباشر، بينما يعاني هذا الجمهور من هموم يومية بسبب نقص في الخدمات وفرص العمل وملفات اخرى متعثرة.
وسواء كان هذا الانطباع دقيقاً بالكامل أو متأثراً بصورة نمطية تكرّست بفعل الإعلام والخصومة السياسية، فإنه أصبح اليوم ملتصقاً بصورة السياسي الشيعي عموماً، وليس بجهة بعينها. كسر هذه الصورة لا يكون بالبيانات والتصريحات، بل بمبادرات خدمية واقتصادية ملموسة، ذات أثر مباشر في حياة الناس، تُطلق بوصفها أولوية، وتُدار بشفافية تسمح للجمهور بمتابعة نتائجها.
إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من تحوّلات إقليمية ودولية متسارعة، قد تكون فرصة نادرة لإعادة بناء العلاقة بين القيادة الشيعية وجمهورها على أسس أكثر صلابة، شرط أن تُقرأ هذه اللحظة بوصفها تحدياً يستدعي المراجعة والمبادرة، لا مجرد رغبة عابرة سرعان ما تتلاشى.




