نوشي.. عاشق الماء الذي لم يعُد.. قصة إنسانية من ذاكرة الحرب العراقية الإيرانية، في ذكرى انتهائها..!
عباس سرحان ||

في قلعة صالح، حيث يذوب الأفق بين الماء والسماء جنوب محافظة العمارة، وُلد نوشي لعائلة فلاحية بسيطة لا تملك من الدنيا سوى قطعة أرض صغيرة على ضفاف دجلة، وقارب خشبي متهالك يسمى “المشحوف”، وبيت من الطين والقصب يظلله نخل قليل.
لم يكن نوشي طفلاً كباقي أطفال القرية؛ فبينما كان أترابه يركضون خلف الكرة في الأزقة الترابية، كان هو يجلس ساعات طويلة على حافة الهور يراقب طيوره وهي تحط على صفحة الماء، أو يمسك بشبكته الصغيرة متربصا بزرّة سمك تشق طريقها بعيدا عن جذور القصب.
كان أسمر الملامح، جنوبي القسمات، خجولاً يميل إلى الصمت والانعزال، لا يفتح فمه إلا حين يسأله أحد عن الطير أو السمك أو مواسم الفيضان، فتنفتح شفتاه عن حديث لا ينضب. المدرسة، بجدرانها الأربعة وصفوفها المكتظة، لم تكن مكانًا يليق بروح كهذه؛ فقد كان نوشي يهرب من دروسها إلى الحقل أو إلى هور الحمّار، حتى توقف عن الذهاب إليها كليًا وهو في الصف الرابع الابتدائي، ولم يندم يومًا، لأن “مدرسته” الحقيقية كانت الماء.
كان يقول لنفسه، وهو يجدّف بمشحوفه بين جزر القصب “أنا هنا ملك. لا معلّم يوبّخني، ولا جرس يقاطع صمتي. هذا هو العالم الذي يشبهني”.
حين بلغ نوشي الثامنة عشرة من عمره، كانت طبول الحرب قد بدأت تُقرع في بغداد في أيلول 1980. لم يكن يعرف عن السياسة شيئًا، ولم يسمع باتفاقية الجزائر ولا بشط العرب إلا كأسماء عابرة يرددها الرجال في المضيف. كل ما عرفه أن بيان استدعاء بثته وزارة الدفاع، وأن عليه أن يحمل حقيبته الصغيرة ويغادر إلى معسكر التدريب في الكوت.
سألته أمه، وصوتها يتقطع من القلق، إلى أين يُساق وهو الذي لا يعرف من الدنيا سوى الماء والسمك، وكيف يمكن لمثله أن يغدو جنديًا؟ فأجابها بصوت خافت إنه لا يدري هو الآخر، وإن رسالة الاستدعاء وصلت وعليه أن يذهب لا محالة، لكنه وعدها بأنه سيعود.
كان وعدًا قاله وهو لا يعرف أن الحرب لا تفي بوعود أحد. في معسكر الكوت، تعلّم نوشي أن يقف منتصبًا، وأن يصرخ “نعم سيدي” دون تردد، وأن يمشي على إيقاع لم يعرفه قط. الطبيعة التي كانت تحتضنه بلا شروط استُبدلت بأوامر صارمة، وأحيانًا ظالمة، لا تترك مجالًا لسؤال أو اعتراض.
ثم أُلحق بإحدى الجبهات، ووجد نفسه بعد أسابيع قليلة على أرض لم يكن يعرف عنها شيئًا سوى أنها “أرض العدو” مدينة الشوش، بآثارها العريقة وسهولها الخصبة داخل الأراضي الإيرانية.
فكّر نوشي، وهو يحدّق إلى القرى البعيدة خلف خط الجبهة “لو كانت الدنيا غير هذه، كنت قصدت هذا المكان سائحا، أتمشى بين آثاره وأسأل عن تاريخه. كان يمكن أن تطأ قدماي هذه الأرض بجواز سفر، لا ببندقية. لكنني هنا اليوم غازٍ، بنظر أهلها الذين لم يهددوني يومًا، ولا أعرف منهم أحدًا”.
كانت هذه الفكرة تؤرقه أكثر من صوت القذائف. فقد نشأ نوشي على تربية دينية وعشائرية رسخت فيه اهم قاعدة للتعايش” لا تعتدِ على من لم يعتدِ عليك، ولا ترفع يدك على من لم يظلمك”. وها هو يُدفع كل يوم إلى معارك يقتل فيها، أشخاصًا لا يعرف عنهم شيئًا سوى أنهم “العدو”.
في بداية الحرب، لم يكن يُسمح للجنود بالنزول في إجازات؛ فمكث نوشي ثلاثة أشهر كاملة في المعارك، ثلاثة أشهر من الخنادق والصراخ ورائحة البارود، قبل أن تُمنح له أخيرًا سبعة أيام يعود فيها إلى قلعة صالح. حين وطئت قدماه أرض القرية، ركض دون أن ينتظر أحدًا نحو الهور، وغطس بثيابه العسكرية في الماء وكأنه يغسل عن جسده كل ما رآه.
تفرّست فيه أمه طويلًا وهي تسأله ما الذي جرى له، فقد نحل جسده واشتد سمار وجهه، وحتى عيناه لم تعودا كما عرفتهما من قبل. فروى لها بصوت مثقل أنه يرى هناك أشياء يعجز عن وصفها. أناسًا يشبهوننا تمامًا، لهم أمهات مثلها، وأطفال يصطادون السمك كما كان يفعل هو، ومع ذلك نقتلهم ويقتلوننا، دون أن يعرف لذلك سببًا.
بكت الأم بصمت، ولم تعرف كيف تجيب. كل ما فعلته أنها ضمّته إلى صدرها كما كانت تفعل حين كان طفلاً يخاف من الرعد.
حين انتهت الأيام السبعة، وجد نوشي نفسه عاجزًا عن العودة. لم يكن جبنًا بقدر ما كان رفضًا داخليًا عميقًا لحرب لم يفهم يومًا مبرراتها. فقرر ألا يعود إلى الجبهة، وأن يختفي في المكان الوحيد الذي يعرف دروبه كما يعرف خطوط راحة يده، انها أعماق الهور.
بنى لنفسه كوخًا صغيرًا من القصب والبردي في عمق هور الحويزة، بعيدًا عن أعين السلطة ورجالها. كان يقضي فيه أيامًا وليالي، يصطاد ما يكفيه من السمك، ويستمع إلى نقيق الضفادع وحفيف القصب بدلاً من دوي المدافع.
كانت وحشة المكان، بظلامه وبرده وصوت الريح فيه، أرحم بكثير من وحشة الخنادق في عمق أرض لا يعرفها، وسط رجال يُساقون كما يُساق هو إلى موت لا معنى له.
قال نوشي لنفسه ذات ليلة، وهو يراقب النجوم من فتحة الكوخ “هنا، بين الماء والقصب، أنا حر. لا أحد يأمرني بأن أقتل أحدًا. الهور لا يسألني عن هويتي، ولا يفرض عليّ عدوًا لم أختره”.
لكن السلطة، وأجهزتها الباحثة عن “الهاربين” و”المتخلفين عن الخدمة”، لم تكن لتترك فلاحًا خجولًا يفلت من قبضتها بسهولة. اعتُقل نوشي مرة، ثم أُعيد إلى الجبهة تحت التهديد، ففرّ مجددًا إلى الهور. تكرر الأمر مرة ثانية، ثم ثالثة. يُقبض عليه، يُساق إلى معسكر أو جبهة، ثم يهرب عائدًا إلى مياه أهله وقصبها، وكأن الهور نداء لا يقوى على مقاومته.
كانت والدته، في كل مرة يختبئ فيها، تحمل له الخبز والتمر ليلاً، تخوض الماء وحدها في العتمة، خائفة أن يراها أحد فيدلّ على مكانه، وخائفة في الوقت نفسه أن يعود إلى الجبهة فلا يعود أبدًا.
طلبت منه أن يدلّها على موضع كوخه بالضبط كي يطمئن قلبها عليه، وقالت إنها تخشى عليه من كل شيء وإن كانت تدعو الله أن يكون معه وحافظًا له. فطمأنها بأن الهور يحميه أكثر من أي بندقية، لكنه هو من يخشى عليها إن عرفت السلطة أنها تأتي لزيارته سرًا.
كانت هذه الليالي، رغم خوفها وثقلها، من أكثر اللحظات دفئًا في حياة الاثنين. أم تخوض العتمة من أجل ابنها، وابن يرفض أن يكون أداة قتل، وبينهما هور صامت يحفظ سرّهما.
في المرة الرابعة، لم يمهله الحظ. داهمت مفرزة من رجال السلطة أطراف الهور فجرًا، بعد وشاية وتتبّع دام أسابيع، وألقت القبض على نوشي وهو نائم في كوخه، بلا سلاح، بلا مقاومة، بلا صوت. اقتيد كما يُقتاد الأسرى، وهو الذي لم يرفع يده يومًا على أحد إلا ليصطاد سمكة.
بعدها، انقطعت أخباره كليًا. لم تصل إلى أمه ورقة، ولم يزرها ضابط، ولم يُسلَّم إليها جثمان. راجت روايتان متضاربتان في القرية، ولم تُحسم أي منهما حتى اليوم. قيل إن نوشي أُعدم مع عشرات آخرين ممن رفضوا الانخراط في القتال أو فرّوا منه أكثر من مرة، ودُفن في مقبرة جماعية مجهولة لم تُسلَّم جثته لذويه؛ وقيل، في رواية أخرى، إنه أُعيد قسرًا إلى الجبهة وقُتل في معركة الشوش الشهيرة، تلك المعركة التي ابتلعت المئات في أيام معدودة. لكن النتيجة، في الروايتين، كانت واحدة. نوشي غادر، واختفى إلى الأبد.
ظلت أمه تنتظره. انتظرته وهي تُعدّ له كل يوم مكانًا على الحصير، وانتظرته حين عاد ابناء الجيران من الأسر بعد نهاية الحرب عام 1988، وانتظرته حين أُطلق سراح آخر دفعة من الأسرى بعد سنوات من وقف إطلاق النار. كانت تقف على ضفة الهور كل ما وصل قارب غريب، تحدّق في وجوه الركاب علّها تجد بينهم ابنها الأسمر الخجول.
وكانت، كلما رست عند الضفة سفينة أو قارب غريب، تشعر بقلبها يخفق بعنف لا يعرفه إلا من ينتظر غائبًا لا يعود، وتقول في نفسها إنها تعلم يقينًا أن ابنها ما يزال حيًا، وأن أحدًا لا يريد أن يوصل إليها الخبر.
وأمام تساؤلاتها، وتساؤلات آلاف الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن دون خبر أو جثمان، روّج البعثيون آنذاك إشاعة غريبة استخدموها لإسكات الألسن وتأجيل الحقيقة” أن إيران لا تزال تحتفظ بأسرى عراقيين مجهولين في كهوف بعيدة، وأنهم سيعودون يومًا ما”. كانت إشاعة تمنح الأمهات أملاً زائفًا يطيل انتظارهن بدل أن ينهيه، ويخفف عن السلطة عبء الاعتراف بما اقترفته من إعدامات ميدانية بحق من رفضوا حربًا لم يخترها أحد منهم.
لم تصدّق أم نوشي يومًا أن ابنها مات. بقيت، حتى آخر أيامها، تخرج كل صباح إلى ضفة النهر، تنظر إلى الماء الذي أحبه ابنها أكثر من حياته، وتهمس باسمه كأنها تناديه من عمق الهور ليعود، كما كان يعود دائمًا، من بين القصب والبردي.
لكن نوشي، عاشق الطيور والماء، الذي لم ير في الحرب معنى ولا في القتل مبررًا، لم يعد أبدًا. وبقيت قصته، كقصص كثيرين مثله، شاهدة صامتة على أثمان الحروب التي لا تُكتب في بيانات النصر، بل تبقى محفورة في انتظار أمّ لم تُغلق عيناها إلا وهي لا تزال تنتظر.




