الاستنفار السوري على الحدود العراقية.. تصعيد سوري أم رسالة سعودية بالوكالة؟!
عباس سرحان ||

مساء أمس الثلاثاء 4 آب/أغسطس 2026، أعلن الجيش السوري حالة استنفار عسكري قصوى، ودفع بتعزيزات إلى مناطق الحدود مع العراق، في خطوة وصفتها بغداد رسمياً بأنها “منسّقة” ولا تستدعي القلق، فيما ذهبت قراءات أخرى إلى اعتبارها إشارة تصعيد مقلقة تستحق التوقف عندها.
ورغم أن هذه التحشدات لا يمكن، من الناحية العسكرية البحتة، أن تشكل تهديداً جدياً للعراق، الذي تمتلك قواته الأمنية والحشد الشعبي خبرة ميدانية سابقة في مواجهة تنظيم داعش – الذي شكلت بقاياه وقياداته لاحقاً عماد التشكيلات المسلحة التي قامت عليها السلطة الحالية في دمشق – فإن ما يستحق التوقف عنده ليس حجم القوة المحتشدة بقدر توقيتها ودوافعها الحقيقية.
فقد تباينت التحليلات منذ أمس حول أسباب هذا الإعلان المفاجئ، لكن ما لم يُسلَّط عليه الضوء بالقدر الكافي هو الرابط المباشر بين هذا الاستنفار واقتراب انتهاء المهلة التي حددتها فصائل المقاومة العراقية للرد على العدوان الذي استهدف مواقع للحشد الشعبي قبل أيام. فقد أسفرت غارة أميركية-سعودية مشتركة، نُفذت في 29 تموز/يوليو الماضي، عن استشهاد نحو عشرين عنصراً من الحشد الشعبي وإصابة 32 آخرين، وهو ما دفع فصائل عراقية إلى التوعد بالرد بعد انتهاء زيارة الأربعين، كما دفع رئيس الوزراء العراقي إلى تعليق زيارته المقررة إلى الرياض احتجاجاً على الضربة.
في ضوء هذا التسلسل، يبدو أن التحرك السوري جاء ليؤدي دوراً بديلاً عن دور كانت الرياض قد اضطلعت به بشكل مباشر، إذ توجّه دمشق – عبر التلويح العسكري على الحدود – رسالة ردع مبطّنة إلى بغداد مفادها أن أي استهداف عراقي لأهداف داخل السعودية سيقابَل بمواجهة من الجانب السوري. ويأتي هذا التنسيق المفترض في سياق التقارب المتسارع بين أحمد الشرع والرياض، الذي شهد عدة زيارات رسمية خلال الأشهر الأخيرة تُرسّخ تحالفاً متعدد الأبعاد بين الجانبين.
ويعزز هذه القراءة ما صدر من إشارات أردنية-سورية متزامنة حذّرت بغداد بشكل مباشر من أن أي هجوم تنفذه فصائل عراقية سيقابَل برد عسكري، في وقت تحدثت فيه مصادر سعودية عن اعتبار الأردن “خطاً أحمر” لا يمكن السكوت عن أي اعتداء عليه. ورغم أن عمّان لم تصدر موقفاً رسمياً واضحاً بهذا الخصوص حتى الآن، فإن مجمل هذه الإشارات يوحي برغبة سعودية في تشكيل جبهة إقليمية – سورية أردنية بمباركة سعودية – في مواجهة العراق تحت أي ذريعة كانت.
لكن المفارقة أن هذا الموقف السعودي السوري، وربما الأردني إن التحق به، يتجاهل حقيقة أن أي عدوان فعلي على العراق لن يبقى في حدوده الثنائية. فالصواريخ الإيرانية واليمنية لن تبقى في مرابضها إذا ما تعرض العراق لهجوم، حتى في حال التوصل إلى تهدئة أو اتفاق لوقف الحرب بين إيران وأمريكا، إنما المنطقة برمتها ستدخل عندها في دائرة اشتعال واسعة، وستجد كل من الرياض وعمّان ودمشق نفسها عرضة لموجات صاروخية لا تملك القدرة الكافية على اعتراضها أو صدها.
فضلاً عن ذلك، فإن العراق لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي اعتداء فعلي على أراضيه، وقد يجد نفسه مضطراً للدخول في مواجهة وجودية مع المحور الذي تقوده السعودية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على استقرار البلاد والمنطقة ككل. وهنا لا يمكن إغفال أن الضربات التي استهدفت مخازن اعتدة الحشد الشعبي، والانفجارات المريبة التي وقعت في مخازن التاجي العسكرية، تثير أكثر من علامة استفهام حول ما يُخطط للعراق وما يُراد له من تجريده من قدراته على المواجهة والحسم، قبل الشروع بأي عمل خارجي أو مؤامرة داخلية تهدف إلى زعزعة الأوضاع.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن دولاً خليجية نظرت تاريخياً بقلق إلى التوازن السياسي الذي أفرزته المرحلة العراقية منذ 2003، وهو ما يجعل بعضها أقرب إلى توظيف أي تصعيد أمني أو عسكري لإعادة رسم موازين النفوذ داخل بغداد لصالح طائفة قريبة منها وابعاد الشيعة عن الحكم.




