الثلاثاء - 18 اغسطس 2026
منذ أسبوعين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان ||

 

عباس سرحان

 

 

في الأشهر الأخيرة، بدأت رؤوس مألوفة تُطلّ علينا من جديد على الشاشات، بشعر مصبوغ وشوارب محلوقة بعد أن عهدناها متدلية كأجنحة طائر الخطاف، وأصابع ترتجف وهي تؤشر لـ “انتصار” لم يحدث قط. ضباط “الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة”، أصحاب الأنواط والأوسمة، رفاق الفرق والشُّعَب، الذين ظننا أن التاريخ طواهم مع أشياء قبيحة أخرى طواها، عادوا يتحدثون بجرأة لافتة، وكأن شيئاً لم يكن.

يبدو أن هذه الجرأة لم تأتِ من قوة مفاجئة استعادوها، بل من فرط الفراغ الذي يعيشونه في المنافي، في شقق ضيقة تتكدّس فيها أوسمة لم تعد تعني شيئاً، وصور جماعية اصفرّت حوافها، حيث لا شغل لهم سوى الجلوس أمام الكاميرا، يمسحون غبار العار عن “أمجاد” لم يشهدها أحد سواهم، ويحكونها لكاميرا لا تسألهم أبداً، أين كنتم يوم احتاجكم العراق؟

ولو تلمّسنا لهم العذر، فهؤلاء الرفاق لم يعودوا يملكون نشوة الشباب التي كانوا يستعرضون بها في الاجتماعات الحزبية، وأمام فقراء الشعب وجياعه المصطفّين في طوابير الخبز بينما يهدرون هم شعاراتهم على المنصات.
أغلبهم اليوم شرايينُه أشدُّ تصلّبًا من مواقفه الطائفية، ويصارع تشمّع الكبد بعد عقود من احتساء “السوائل المحرّمة شرعًا” التي كانت تُقدَّم خلسةً في اجتماعات القيادة، بينما كانوا يقيمون الحدَّ الشرعي على من يُتَّهم بشربها من عامة الناس. وآخرون من “رفاق ميشيل عفلق” أفسد تضخّم البواسير عليهم حتى متعة الظهور أمام الكاميرا؛ فكراسي القيادة التي اغتصبوها ثلاثين عامًا، ها هي أخيرًا تنتقم من مؤخراتهم.

المفارقة الكبرى أن هؤلاء الرفاق، الذين يسوّقون اليوم أنفسهم كـ”منقذين” ينتظرهم العراق بفارغ الصبر، هم مَن فرّوا فرار الثعالب من كلاب القرية لحظة دخول قوات التحالف عام 2003. أمّا قائدهم، الذي كان بالأمس يخطب عن “أمّ المعارك”، فقد خلع بزّته العسكرية في عتمة قبو، وارتدى دشداشة فلاحٍ هارب، واختفى في حفرةٍ عفنة، قبل أن يُستخرج منها منكسرًا خائبًا.
لم يقاتلوا، ولم يستشهدوا دفاعاً عن “الأمة العربية ورسالتها الخالدة وشرف الماجدة العراقية” التي طالما تغنّوا بها، بل تركوا مكاتبهم كما هي، بأثاثها وأختامها وصور قائدهم المعلّقة تحدّق في الفراغ، وهربوا إلى الجحور التي يطلّون منها اليوم، تاركين الشعب العراقي وحيداً يواجه مصيره.

وبقدرة قادر، نسي البعثيون كل شيء. نسوا المقابر الجماعية التي ما زالت الجرافات تكشف عظامها حتى اليوم، ونسوا حروبهم الخاسرة التي خاضوها ضد الجيران فلم تجلب لنا يوماً غير النعوش ودموع الأيتام والثكالى، ونسوا خيمة صفوان التي وقّعوا فيها على تسليم ما تبقّى من العراق بخط أيديهم الخائفة، وأصبحوا يطلّون علينا بوجوههم الكالحة دون خجل، ليسوّقوا أنفسهم من جديد كمنقذين ومخلّصين، ومطلوب من العراقيين، فوق كل هذا، أن يصدّقوهم، وأن يمسحوا ذاكرتهم كما تُمسح قطعة زجاج قديمة!

فليعذرنا هؤلاء الرفاق إن لم نجد لاستقبالهم من على الشاشات إلا أحذية أطفالنا الذين ما زالت المقابر الجماعية تحفظ أسماءهم أكثر مما حفظتها ضمائر البعثيين الميتة.