العراق بين نيران الخارج وارتباك الداخل..!
عباس سرحان ||

في ساعة مبكرة من فجر الأربعاء، لم يكن سكان المحافظات العراقية السبع التي طالتها الضربات يعلمون أنهم سيستيقظون على دوي انفجارات لا صلة لها بالحرب الأهلية ولا بالإرهاب الذي أنهكهم لعقدين، بل بصواريخ عبرت حدودهم، بتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية. في تلك اللحظة، تجاوز الحدث كونه “ضربة عابرة” ليتحول إلى اختبار حقيقي لمعنى السيادة العراقية ولطبقة سياسية بأكملها.
يُفترض أن سيادة العراق لاتقبل التجزئة أو المساومة، فهي حق أصيل للشعب والدولة، لا يملك أحد أن يفرّط فيه أو يتهاون أمام أي اعتداء خارجي، سواء جاء من بلد عربي أو غير عربي. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح واجباً على المواطنين والسياسيين، مهما اختلفت توجهاتهم، أن يظهروا موقفاً موحداً يصدّ العدوان ويحفظ الكرامة الوطنية.
لكن من المستغرب أن تصدر عن بعض من يسمون أنفسهم زعامات شيعية مواقف متعاطفة مع الجانب السعودي، بينما يوجَّه اللوم لأبناء جلدتهم استناداً إلى رواية سعودية لم تُدعَّم بعد بأدلة علنية قاطعة.
اللافت أن الهجمة السعودية-الأمريكية جاءت قبل زيارة كان مقرراً أن يؤديها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض، ضمن جولة خارجية أوسع شملت واشنطن وأنقرة وطهران، لبحث ملفات الأمن والطاقة والاستثمار. ولو كانت السعودية تمتلك أدلة راسخة على تورط أطراف عراقية في استهداف أراضيها، لكان الأولى بها انتظار هذه الزيارة وطرح ما لديها من معطيات على الطاولة، بدل المبادرة إلى ضربة عسكرية مباغتة تسبق أي مسار دبلوماسي.
هذا التوقيت يفتح الباب لقراءة الحدث ضمن سياق أوسع من الحسابات الإقليمية: أولاً – رسالة إلى الداخل السعودي: تأتي الضربة بعد أيام على هجوم نُسب إلى الحوثيين استهدف منشأة أرامكو في جيزان وأشعل حريقاً فيها، في وقت عجزت فيه الرياض عن توجيه رد مباشر وحاسم لمصدر تلك الضربة. وسط هذا المشهد، بدت الضربة في العراق أقرب إلى محاولة لتسجيل “انتصار” عسكري وإعلامي سعودي أمام الجمهور الداخلي، على أرضٍ أقل تعقيداً من مواجهة مباشرة مع الحوثيين أو مع إيران نفسها.
ثانياً – إحراج عراق مثقل بالضغوط: يقع العراق اليوم تحت وطأة ضغوط إقليمية ودولية متشابكة، ولا يملك هامش مناورة واسعاً في مواجهة عدوان من هذا النوع، وهو ما يجعله – في حسابات البعض – هدفاً “مريحاً” نسبياً لتوجيه رسائل ردع أو استعراض قوة.
ثالثاً – تنافس اقتصادي غير معلن: تتقاطع هذه الضربة زمنياً مع إعلان بغداد وأنقرة عن اتفاق موسّع بشأن “طريق التنمية” – الممر البري الذي يفترض أن يربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر الأراضي العراقية. وبقدر ما تبدو الرياض حريصة على أن تحتفظ بموقع محوري في خرائط التجارة والطاقة الإقليمية، فإن أي مشروع منافس يمر عبر العراق بدل أراضيها يظل مصدر قلق استراتيجي لها، وإن لم يُعلن ذلك صراحة كسبب للتصعيد.
إنّ الاعتداء الأخير ليس مجرد ضربة عسكرية، بل هو محطة تختبر مدى جاهزية العراق، دولةً ومجتمعاً، للدفاع عن قراره السيادي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتشابك فيها حرب إيران الأوسع مع حسابات الطاقة والممرات التجارية ومعارك النفوذ الداخلي.
والمطلوب اليوم موقف وطني موحد يرفض أن يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويطالب في الوقت ذاته بتحقيق شفاف ومستقل يكشف حقيقة ما جرى، بعيداً عن الروايات الجاهزة من هذا الطرف أو ذاك. فالسيادة.
وهنا يحق لكل عراقي أن يسأل، بقدر من السخرية المُرّة المصحوبة بالغضب: ما جدوى كل مذكرات التفاهم والشراكات الأمنية التي يوقّعها العراق، جولة بعد جولة، مع واشنطن بوصفها “حليفاً استراتيجياً”، إن كانت القيادة المركزية الأمريكية نفسها هي الجهة التي “نسّقت” الضربة التي سقط فيها عراقيون شهداء وجرحى؟ أي نوع من الحليف هذا الذي يوقّع معك اتفاقية أمنية بيد، وينسّق بيده الأخرى ضربة تطال أرضك؟
وأي “حماية” تلك التي يمنحها حليف يُفترض أنه صاحب الكلمة الفصل في الأجواء العراقية، حين يتحول سقف هذا البلد إلى ممر مفتوح أمام من يريد استهدافه؟ وهل يُعقل أن يُطلب من العراقيين، بعد كل هذا، أن يحتموا بمن يفتح الباب لكل من يريد تهديد أمنهم؟ وما قيمة الحديث عن “الشراكة الاستراتيجية” و”الأمن المشترك” حين تتحول سماء بغداد نفسها إلى نقطة انطلاق أو عبور لتهديد جيران العراق أيضاً، فيتحول البلد بأسره – أرضاً وأجواءً – إلى ساحة مباحة لتصفية حسابات الآخرين؟ أسئلة برسم من وقّع، ومن لا يزال يراهن على أن الحماية تأتي من الخارج لا من وحدة الداخل.
وفوق كل ذلك، ثمة سؤال أكثر إيلاماً يفرض نفسه بإلحاح: هل ما زال العراق يحمل ملامح دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أنه يسير بخطى متسارعة نحو مزيد من الضعف، وربما نحو التلاشي كدولة موحدة القرار والسيادة؟ فحين تُقصف أرضه من الخارج بتنسيق مع من يُفترض أنه حليف، وحين تنقسم قواه الداخلية بين مصفّق للمعتدي ومدافع عن أرضه، لا يعود بالإمكان تجاهل حجم الهشاشة التي وصل إليها هذا الكيان.
وهنا يقع على عاتق القيادات الشيعية تحديداً – السياسية منها والدينية على حد سواء – واجب الإجابة عن سؤال كبير طالما تم تأجيله: ما مصير العراق؟ وما مصير الشيعة فيه ودورهم؟ هل هم شركاء حقيقيون في وطن واحد اسمه العراق، تشاركهم فيه بقية مكوناته الهمّ والمصير وتقف معهم عند كل اعتداء يطالهم، أم أنهم – كما توحي وقائع هذه الأيام – يعيشون في جزء من هذا الوطن، لا يبالي كثيرون خارج هذا الجزء بوجوده أو بسلامته إن تعرّض للخطر؟ سؤال لا تحتمل خطورة اللحظة الراهنة أن يبقى معلّقاً بلا جواب.




