مزرعة المليارات..!
ا د جهاد كاظم العكيلي ||

من أغرب الروايات التي وصفت الظلم الاجتماعي والإنساني رواية «مزرعة الحيوانات» للكاتب جورج أورويل، إذ صوّر فيها النظام السياسي على هيئة مزرعة للحيوانات. وقد ضربت مثالًا بليغًا على السخرية من الاستبداد والتحكم بمصائر البشر في ظل أنظمة سلطوية غارقة في الفساد. وما تزال هذه الرواية صالحة لقراءة الواقع الذي يعيشه الإنسان في عصر التطور والعولمة، وهو يرزح تحت أنظمة سياسية مستبدة تتعامل مع أفكارها بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش، وتستخف بكرامة الإنسان وحاجاته الأساسية، وتسعى إلى سلب إرادته وفرض هيمنتها الكاملة على مختلف جوانب حياته.
وفي هذا السياق، أجد أن الواقع في العراق قد تجاوز، في بعض جوانبه، الحدود التي عاشتها حيوانات مزرعة أورويل في ثورتها ضد الاستبداد. فعلى الرغم من أن حيوانات المزرعة هي التي نظّمت وقادت حركة التغيير، فإنها رفعت شعارات الإصلاح والتغيير، وعملت في البداية على توزيع ثمار المزرعة بينهما بما يضمن حقها في العيش واستمرار بقائها على قيد الحياة.
غير أن «مزرعة العراق»، بما تحمله من دلالات سياسية، تشهد سحقًا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي نادت بها القوى السياسية التي جاءت إلى السلطة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد كشفت التجربة عن تناقض حاد بين الشعارات الديمقراطية وممارسة السلطة، إذ توغلت بعض الجهات في جمع الثروات واستباحة مساحات واسعة من الأراضي، وتحويلها إلى أماكن للترفيه أو إلى مخابئ تُدفن فيها المليارات المنهوبة من ثروات الشعب العراقي، حتى أصبحت تلك الأماكن رمزًا لفساد السلطة السياسية.
وفي الوقت نفسه، يتقهقر الإنسان وتتراجع آماله أمام صمت السياسيين تجاه مطالب الشعب، تاركين المواطنين يبحثون عن تفسيرات للتراجع الكبير الذي أصاب البلاد، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات حقيقية للنهوض الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
ولعل المفارقة الأشد مرارة أن حيوانات أورويل، مهما انحرفت عن مبادئ الثورة، لم تستطع أن تُخفي حقيقتها إلى الأبد، فقد انتهى الأمر بالحيوانات إلى إدراك أن المستبد الجديد لا يختلف كثيرًا عن المستبد القديم. أما في واقعنا العراقي، فما زال المواطن ينتظر لحظة انكشاف الحقيقة كاملة، بعد أن تحولت شعارات الإصلاح إلى وسيلة لإدامة النفوذ وتراكم الثروات. وهكذا تبدو «مزرعة المليارات» أكثر قسوة من «مزرعة الحيوانات»، لأن المشكلة لم تعد في تبدّل الوجوه، بل في بقاء الأساليب ذاتها، حتى غدا من الصعب التمييز بين من جاء للتغيير ومن جاء ليحتكر المزرعة وثرواتها باسم التغيير.




