من ربح ومن خسر المعركة؟!
محمود المغربي ||

هناك حقيقة يجب التسليم بها وهي:
إن تمكن الولايات المتحدة من اغتيال بعض القيادات السياسية والعسكرية، وسقوط ضحايا من الأطفال والنساء، وتدمير المنشآت الحيوية والمدارس والمستشفيات والمراكز الطبية والبحثية والجسور في إيران، لا يُعد انتصاراً لأمريكا.
كما أن الخسائر البشرية والمادية التي مُنيت بها إيران لا تعني بالضرورة خسارتها للمعركة، لأن الخسارة الحقيقية تكمن في التفريط بالمبادئ والقيم، والتخلي عن الأهداف والحقوق، والقبول بالظلم والفساد والهيمنة والوصاية، والخضوع والركوع لإملاءات العدو. أما الانتصار الحقيقي فهو في تحقيق الأهداف المُعلنة وفي إجبار الخصم على التراجع عن شروطه.
وعلينا أن ندرك أن الولايات المتحدة قد استخدمت كل ما في ترسانتها من قوة وأسلحة تقليدية ضد إيران، ودمرت ما أمكنها تدميره والوصول إليه، وانتهكت في سبيل ذلك كافة الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية والأخلاقيات. ومع ذلك، لم يُجدِ كل ذلك نفعاً؛ فقد فشلت أمريكا في هزيمة عزيمة إيران وصمودها، وفشلت في دفع الإيرانيين إلى الركوع أو التراجع عن موقفهم أو التنازل عن حقوقهم.
في المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي، بل استهدفت ودمرت المواقع والمصالح الأمريكية في المنطقة، وضربت القواعد التي تصل إليها يدها، وألحقت الدمار والخسائر داخل الكيان الصهيوني، وجعلت أمريكا والعالم يدفعون ثمناً باهظاً للمغامرة العسكرية، وما زالوا يدفعونه حتى اللحظة.
عندما نشير إلى هذه الحقائق، فإننا لا نسعى إلى تسويق الأوهام كما يزعم البعض ممن يرون في استشهاد قادة إيران هزيمة، وفي نجاح أمريكا وإسرائيل في تدمير البنى التحتية والاقتصادية واستهداف السفن والمؤسسات التعليمية والطبية وقتل المدنيين انتصاراً. بل نقول إن إيران لم تُهزم، وأمريكا لم تنتصر، وذلك ببساطة لأن الهزيمة والنصر لا يُقاسان فقط بحجم الخسائر البشرية والمادية، أو ببراعة العدو في تنفيذ عمليات الاغتيال والتدمير.
ولعلنا نستحضر هنا درس التاريخ: ففي معركة كربلاء، استُشهد الإمام الحسين عليه السلام وكل من معه من الرجال والأطفال، ورغم مرور أكثر من 1400 عام، لا يمكن لعاقل أن يقول إن جيش يزيد قد انتصر وأن الإمام الحسين قد هُزم. بل على العكس تماماً؛ الخسارة هي التخلي عن موقف الحق، والركوع، والقبول بالظلم والانحراف.
أما الانتصار فلا يتحقق بمجرد القتل والتدمير، بل بمقدار ما يحققه الطرف من أهداف، وبمدى قدرته على إجبار خصمه على الاستسلام والخضوع دون قيد أو شرط.
أما من يواجه الموت ثابت الجنان، غير منكسر ولا خائف، ويصرخ في وجه عدوه بكلمة “لا”، معلناً رفضه للذل والمهانة، فإنه بذلك يكون قد انتصر وسلب العدو كل ادعاءاته.
نعم، لقد خسرت إيران أرواحاً زكية من أشرف رجالها، وتكبدت خسائر في بنيتها التحتية والاقتصادية، لكنها لم تُهزم ولم تستسلم ولم تركع. لقد جعلت خصمها يتألم ويكابد الخسائر. وبالمقابل، ورغم كل ما دمرته أمريكا وقتلته، فإنها لم تحقق أي هدف من الأهداف المُعلنة للعدوان على إيران. ولو كانت أمريكا قد حققت انتصاراً، لما اضطرت إلى طلب التفاوض، ولما انسحبت غاضبة من طاولة المفاوضات حين تمسك الإيرانيون بشروطهم ورفضوا إملاءاتها.
وبمعزل عن الجدل حول هوية الرابح والخاسر في هذه الجولة، يمكن القول إن الولايات المتحدة قد استنفدت خيارات القوة التقليدية وبنك أهدافها في إيران، ولم يعد لديها ما يمكنها فعله عسكرياً. في المقابل، لم يعد لدى إيران ما تخشى خسارته. وأعتقد أن الإدارة الأمريكية باتت اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تدرك أن الخيار العسكري مع إيران كان باهظ التكلفة، وأن العودة إليه ستكون أكثر كلفة وثمناً ، ليس على أمريكا وحدها، بل على إسرائيل والمنطقة والعالم أجمع.
كما أن الشارع والاقتصاد الأمريكي غير قادرين على تحمل تبعات هذه التكلفة، مما يفرض البحث عن بدائل أقل ضرراً وأكثر عقلانية.




