الاثنين - 29 يونيو 2026

ثقافة التشوّه: حين يتمرّد الجسد على الفطرة ويُزَيَّف الجمال..!

منذ سنة واحدة
الاثنين - 29 يونيو 2026

د. عامر الطائي ||

ثقافة التشوّه: حين يتمرّد الجسد على الفطرة ويُزَيَّف الجمال..!

في مشهد يتكرّر في الشوارع والمقاهي ووسائل التواصل، تطالعنا وجوه متشابهة، شِفاه منتفخة، خدود مشدودة، أنوف منحوتة بطريقة أقرب إلى قوالب صناعية منها إلى تنوّع الخلق الإلهي. وكأنّ العراق الذي كان يُعرف بجمال نسائه الطبيعي وحياء فتياته العفوي، أصبح اليوم يعيش حالةً جماعية من اغتراب عن الذات، وتمرد على الفطرة، وافتتان بصور وهمية عن الجمال.

إنّ هذه الظاهرة، التي تتجاوز الزينة المقبولة إلى التجميل المبالغ فيه، ليست مجرّد ميل اجتماعي عابر، بل هي تعبير عن أزمة أعمق: أزمة هوية، وأزمة قيم، وأزمة فهم لمعنى الجمال والكرامة والستر.

فحين تستبدل المرأة حياءها الأصيل بتصنّع جماليّ أجوف، فإنها في الحقيقة تجرّد نفسها من أعظم خصائصها الإنسانية، وتضع نفسها على هامش القيمة الحقيقية، وتصبح، دون أن تدري، سلعة في سوق الثقافة الاستهلاكية التي لا ترى الإنسان إلا بقدر ما يُرضي العين ويثير الغريزة.

ليس الجمال الحقيقي في خدٍّ مورّد أو شفةٍ ممتلئة، بل في الصفاء الداخلي، في نور العفّة، في كرامة الجسد المحفوظ من الابتذال. وما نراه اليوم هو ثقافة تمردت على الفطرة، إذ تنكّرت للحشمة والحياء، وهما تاج الفتاة وسلاحها أمام تسليع الجسد، فاستبدلت الحجاب بالتصنّع، والحشمة بالإثارة، وأصبحت تتنفس عن جراحها النفسية عبر إبر البوتوكس ومشارط الجراحين.

هكذا تحوّلت بعض فتياتنا ـ للأسف ـ إلى نسخ مكرّرة، بلا خصوصية، بلا روح، وكأنّهن يهربن من أنفسهن إلى قناع زائف من الجمال الكاذب. وهذا لا يعبّر عن قوّة شخصية أو ثقة بالنفس، بل عن فراغ داخلي تبحث فيه النفس عن تعويض موهوم.

إنّ العودة إلى الفطرة لا تعني رفض الجمال أو الزينة المعتدلة، ولكنها تعني أن نعيد للجمال معناه الإنسانيّ، وأن نربطه بالقيم، لا بالأوهام، بالفردانية لا بالنسخ، بالحياء لا بالتعري. فما أحوجنا إلى خطاب يعيد تعريف الجمال بأنه عفّة، وأنوثة راقية، ونقاء روح، لا بأنه جلد مشدود وشفة نافرة.

علينا أن نُعيد للبنت العراقية توازنها بين العناية بجمالها كحق مشروع، وبين الحفاظ على هويتها الأصيلة، المستندة إلى أخلاق رفيعة، وحياء أصيل، وقناعة بأنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المتابعين على “إنستغرام”، بل بمقدار نُبله الداخلي وصدقه مع نفسه ومع ربه.

فهل آن لنا أن نوقظ الضمير الجمعي من سباته، ونعيد للبنات معنى الجمال؟