الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الإتفاقية الصينية.. النفط مقابل الإعمار، أين الإعمار؟!

منذ 15 دقيقة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

منذ عام 2019، دخلت الإتفاقية العراقية- الصينية حيز التنفيذ تحت شعار «النفط مقابل الإعمار»، خلال حكومة السيد د. عادل عبد المهدي، وإستمرت الإستفادة من إطارها خلال الحكومات اللاحقة، وصولاً إلى حكومة المهندس محمد شياع السوداني. واليوم، يعود الحديث عنها مجدداً وسط تفاؤل نيابي بإمكانية توظيفها في تطوير قطاعات حيوية، بينها الصحة والتربية.

لكن السؤال الذي ينتظر المواطن إجابة واضحة عنه: ما تفاصيل هذه الإتفاقية؟ وما الذي قدمه العراق، وما الذي حصل عليه بالمقابل؟

تقوم الإتفاقية، عبر مؤسسة ضمان إئتمان الصادرات الصينية «سينوشور»، على إطار تمويلي يصل إلى 10 مليارات دولار لمدة عشرين عاماً، لتمويل مشاريع بنى تحتية يحددها العراق، ويُسدَّد التمويل من خلال عائدات بيع النفط العراقي، إذ إرتفعت الكميات المخصصة ضمن الآلية من 100 ألف برميل يومياً إلى 150 ألف برميل عام 2022، وفق بيانات الشفافية المعنية بالقطاع الإستخراجي، وهذه الأموال ليست منحة مجانية، بل تمويل تحكمه إلتزامات وآليات للسداد.

شهدت الإتفاقية مشاريع ملموسة، أبرزها مشروع بناء ألف مدرسة، الذي أُعلن إستكمال إفتتاح مدارسه المتبقية في نيسان 2025، فضلاً عن مشاريع لإنشاء مستشفيات بسعة مئة سرير في عدد من المحافظات،؛وهذا يعني أن الإتفاقية ليست مجرد عنوان سياسي، بل إطار يمكن أن يترجم إلى منشآت خدمية إذا أُحسن تنفيذه ومتابعته.

لكن أين تكمن المشكلة؟

إن بناء المدارس والمستشفيات خطوة مهمة، إلا أن المواطن لا يحتاج إلى جدران وأبنية فقط؛ بل يحتاج إلى مدارس مكتملة التجهيز، وبيئة تعليمية مناسبة، ومستشفيات تتوافر فيها الأجهزة والأدوية والملاكات الطبية والتمريضية، فالمبنى وحده لا يصنع تعليماً جيداً، والمستشفى وحده لا يضمن علاجاً لائقاً ما لم تتكامل مستلزماته التشغيلية.

ومن هنا، فإن أي تقييم للإتفاقية يجب أن يتجاوز أرقام المشاريع المعلنة إلى نسب الإنجاز الفعلية، والكلفة النهائية، وجودة التنفيذ، ومدة الإنجاز، ومدى إنعكاس هذه المشاريع على حياة المواطنين.

أما سلبياتها المحتملة، فتتمثل في ربط التمويل بعائدات النفط، وما قد يترتب على ذلك من إلتزامات مالية طويلة الأمد، فضلاً عن مخاطر ضعف المنافسة والشفافية أو إرتفاع الكلف إذا غابت الرقابة الفاعلة، وقد أثيرت بالفعل تساؤلات نيابية عام 2024 بشأن آلية إختيار الشركات المنفذة لبعض مشاريع المستشفيات، وهي تساؤلات تستوجب التحقيق والشفافية، لا إصدار أحكام مسبقة.

وفي المقابل، تمنح الإتفاقية العراق فرصة لتمويل مشاريع خدمية من دون الحاجة إلى توفير كامل كلفتها مقدماً من الموازنة، مع إمكانية توسيع البنى التحتية وتوفير منشآت يحتاجها المواطن بشدة، شرط أن تكون المشاريع مدروسة، وأن تخضع الأموال والعقود لرقابة حقيقية.

إن إستمرار الإتفاقية أو توسيع الإستفادة منها ليس هو القضية الوحيدة؛ فالقضية الأهم هي كيفية إدارتها، وعلى الحكومة أن تنشر للرأي العام تفاصيل التمويل المستخدم، والمبالغ المسددة، والمشاريع المنجزة والمتأخرة، والكلف والعقود، وأن تتيح للجهات الرقابية والبرلمان متابعة التنفيذ بعيداً عن المجاملات السياسية.

فالإتفاقيات الإقتصادية لا تُقاس بما تحققه للحكومات من عناوين وإنجازات معلنة، بل بما تقدمه للمواطن من مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وخدمة تحفظ كرامته.

وهنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه النواب والحكومة معاً: هل ستتحول الإتفاقية الصينية إلى مشروع مستدام لتحسين حياة العراقيين، أم سيبقى المواطن يسمع عن مليارات الدولارات فيما ينتظر خدمة تليق به؟

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع