الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الرياض تبحث عن مخرج وطهران تكسب الوقت وتل أبيب تتردد والقاهرة غائبة تنتظر الأوامر..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

ان من اصعب المعادلات السياسية والامنية والاقتصادية بل وفي كل المجالات هي عندما تتشابك مصالح اكثر من الدولة مختلفه ايديولوجياً وعقائدياً وفي نظام الحكم وفي كل شيء ، عندها فان نقاط التقاطع هي اكثر من نقاط التلاقي لذلك تسعى هذه الاطراف ان تتفق على المشتركات وعقد الاتفاقيات والتفاهمات ،لكنها حتما سوف تكون اتفاقيات هشة فمجرد تعرضها لاي هزة او تدخل طرف اخر سوف تسقط ولم تبقى لهذه التفاهمات اي وجود ، لذلك سوف تعيش المنطقة او ستبقى تعيش المنطقة في اجواء التوترات والصراعات والحروب وهذا ما نشهده اليوم ما بين طهران واكثر دول المنطقة
الرياض تبحث عن مخرج، طهران تكسب الوقت، تل أبيب تتردد، والقاهرة غائبة تنتظر الأوامر: قراءة في تعقيدات المشهد الإقليمي وموازنات القوة المتغيرة
تشهد المنطقة الشرق أوسطية مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية شاملة، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية وتتصادم تحت وطأة التحولات الجيوسياسية الضخمة والضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة. وفي ظل هذه البيئة المترابطة المعقدة، تختلف حسابات الفاعلين الأساسيين وأدوارهم بين محاولة التكيف، والتكسب، والمناورة، والتراجع.
أولاً: الرياض… البحث عن مخرج وتصفير الأزمات
تسعى المملكة العربية السعودية بخطوات حثيثة إلى تأمين بيئتها الإقليمية وضمان استقرار جبهاتها الخارجية للتفرغ التام لمشاريع التحول الاقتصادي الداخلي (“رؤية 2030”).
التركيز على الداخل والاقتصاد: تدرك الرياض أن استدامة النمو الاستثماري وتدفق رؤوس الأموال يتطلبان خفض مستوى التوتر الإقليمي وإبعاد مخاطر الصراعات العسكرية المباشرة عن حدودها.
إدارة التهديدات الجانبية: تعمل القيادة السعودية على إيجاد مخرجات استراتيجية وتفاهمات دائمية للأزمات المجاورة—ولا سيما في الملف اليمن—لتجنب الاستنزاف المالي والأمني المستمر.
سياسة التوازن الدولي: تنتهج الرياض سياسة مرنة تقوم على تنويع الشراكات الدولية بين واشنطن وبكين وموسكو، مما يعزز موقفها التفاوضي ويقلل الاعتماد الحصري على حليف مظلة أمنية واحد.
ثانياً: طهران… استراتيجية الصبر التكتيكي وكسب الوقت
تواصل إيران إدارة صراعها الإقليمي والدولي وفق مبدأ “إدارة الوقت” والاستفادة من المساحات الزمنية لتحسين موقعها التفاوضي والميداني.
تكتيك الاحتواء والمرونة: تعتمد طهران سياسة الاستغلال الأمثل للوقت لتقليل تأثير العقوبات الاقتصادية المتراكمة، وموازنة الضغوط الخارجية عبر تعزيز علاقاتها مع القوى الشرقية (روسيا والصين).
الحفاظ على قواعد الردع: تسعى إيران إلى الإبقاء على شبكة نفوذها الإقليمي كأوراق ضغط استراتيجية، مع مراعاة تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
إدارة الملف النووي والسياسي: يُستخدم عامل الوقت كأداة ضغط لتطوير القدرات التكنولوجية والعلمية، مما يمنحها هامشاً أكبر عند الاستحقاقات التفاوضية القادمة.
ثالثاً: تل أبيب… التردد بين الحسم العسكري والكلفة الاستراتيجية
تمر القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل بحالة من التردد الاستراتيجي الحاد المقترن بقيود متعددة الجبهات.
معادلة الردع الخاسرة: تواجه إسرائيل صعوبة في تحقيق حسم عسكري مطلق وسريع في مواجهة الحروب غير المتناظرة، مما يجعل الخيارات العسكرية مكلفة على المستويات الاقتصادية، البشريّة، والسياسية.
الضغوط الداخلية والخارجية: تتزايد الانقسامات الداخلية داخل المؤسسة السياسية والمجتمعية، إلى جانب القيود الدولية المتزايدة والمخاوف من اتساع نطاق المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة لا تُحمد عقباها.
التردد الاستراتيجي: يقف المفهوم الأمني الإسرائيلي حائراً بين رغبة توجيه ضربات استباقية حاسمة وبين خشية الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تنهك الجبهة الداخلية.
رابعاً: القاهرة… انكفاء الدور وانتظار التوافقات
تعاني مصر من تراجع ملحوظ في دورها القيادي الإقليمي التقليدي، حيث تحول الموقف الراهن إلى حالة من الانتظار السلبي وإدارة الأزمات بحذر.
الضغوط الاقتصادية الخانقة: أدى ثقل التحديات الاقتصادية والمديونية العالية إلى تقييد قدرة مصر على المبادرة وتشكيل الأحداث، ليصبح التركيز منصباً على تحقيق التوازن المالي وتجنب الصدمات الخارجية.
تبعية القرار والارتهان للمساعدات: بات الدور المصري متأثراً بشكل كبير بالاشتراطات والتوافقات مع الأطراف الداعمة دولياً وإقليمياً، مما أفقد القاهرة هامش المبادرة المستقلة التي تميزت بها تاريخياً.
إدارة الحدود والأمن المباشر: يقتصر الوجود السياسي المصري على المحافظة على التهدئة على الحدود المباشرة (غزة وليبيا والسودان) دون طرح رؤية شمولية لإعادة صياغة الأمن القومي العربي.

أي يعكس هذا المشهد حالة من الفراغ القيادي والسيولة الاستراتيجية في الشرق الأوسط؛ حيث تتراجع أدوار القوى الإقليمية التقليدية (كالقاهرة) لصالح فاعلين يمتلكون الرؤية الاقتصادية أو المرونة التكتيكية (كالرياض وطهران)، بينما تظل إسرائيل مكبلة بحسابات القوة والتردد.
إن استمرار هذا الوضع يجعل الإقليم عرضة لموجات متقطعة من التصعيد والتفاهمات الهشة، في انتظار تبلور نظام إقليمي جديد يعيد توزيع الأدوار وفق موازنات القوة الحقيقية على الأرض.
يتعمق المشهد الإقليمي أكثر عند فحص محركات هذا الشلل الاستراتيجي ومسارات الانفجار أو التهدئة المحتملة عبر أربعة محاور أساسية:
1 – مأزق “الردع الشامل” وديناميكية الحروب الهجينة
فشل العقيدة العسكرية التقليدية: تُظهر التجربة أن التفوق الجوي والتقني لإسرائيل لم يعد كافياً لحسم المعارك ضد شبكات اللامركزية (الفاعلون من غير الدول)، مما يدخل تل أبيب في “مصيدة استنزاف” دائمة تُربك القرار السياسي والعسكري.
الردع المتبادل: نجحت طهران في بناء معادلة ردع متعددة الطبقات تمتد من الخلجان المائية إلى البحر الأبيض المتوسط، مما جعل أي ضربة مجهزة ضدها عالية التكلفة ومحفوفة بمخاطر إشعال حرب إقليمية شاملة.
2 – إعادة تشكيل التحالفات والتفكك الجيوسياسي
صعود “البراغماتية الاقتصادية”: تحولت الرياض نحو دبلوماسية الممرات التجارية والشبكات الاقتصادية (مثل الاتفاقيات الشاملة والشراكات مع الشرق)، معتبرةً أن استقرار الإقليم شرط أساسي لبناء مستقبل استثماري بعيداً عن النفط.
تراجع الرعاية الأمريكية التقليدية: أدى التذبذب في السياسة الخارجية الأمريكية والانشغال بالمنافسة مع الصين وروسيا إلى خلق فراغ استراتيجي تدفع القوى الإقليمية لملئه بأقل الأضرار الممكنة أو عبر تحالفات مرنة متعددة الأقطاب.
3 – الجغرافيا السياسية المتصدعة والشرخ العربي
انكفاء مراكز الثقل التاريخية: يعاني العالم العربي من غياب المقوم القيادي الجامع؛ فشغور الدور المصري وتشتت المواقف السياسية أتاحا للقوى الإقليمية غير العربية (إيران، تركيا، إسرائيل) ممارسة نفوذ واسع وتحديد قواعد اللعبة.
الأمن القومي المجزأ: أصبحت القضايا المركزية تُدار عبر مقاربات فردية وحلول موقتة، مما يزيد من هشاشة المنطقة أمام التدخلات والأزمات المستجدة.
4 – سيناريوهات المسار المستقبلي
السيناريوالآلية والمحركاتالنتيجة المتوقعة
التسوية الهشة (إدارة التوتر)استمرار كسب الوقت وتثبيت قواعد اشتباك جديدة دون حسم.بقاء الإقليم في حالة استنزاف وغموض استثماري وأمني.
الانفجار غير المحسوبحدوث سوء تقدير ميداني أو ضربة استباقية من إسرائيل/واشنطن.مواجهة إقليمية واسعة تطال خطوط الطاقة والملاحة البحرية.
إعادة الترتيب التنافسينجاح الوساطات والمسارات الاقتصادية في فرض صلح واقعي.تشكل نظام إقليمي متعدد المراكز يعتمد على المصالح الاقتصادية.
تشخيص وتحليل المشهد الإقليمي: صراع الاستراتيجيات وتوازنات الردع بالشرق الأوسط
يعكس المقال المعمق المشهد الإقليمي الراهن باعتباره ساحة لتقاطع الاستراتيجيات المتباينة بين الفاعلين الإقليميين؛ حيث تسعى كل دولة إلى إدارة مخاطر التصعيد وموازنة الردع بناءً على أولوياتها الوطنية وأوراق القوة المتاحة لديها.
1 – الرياض: إدارة المخاطر والتنويع الاستراتيجي (بحث عن مخرج)
تتحرك السياسة السعودية ضمن رؤية قائمة على تقليل الخسائر وحماية الشراكات الاقتصادية والمشاريع التنموية الكبرى.
الأولوية: خفض التصعيد العسكري لحماية الاستقرار الداخلي والمشروعات التنموية (رؤية 2030).
الأدوات: تفعيل الدبلوماسية الوقائية والتوازن بين الالتزامات الأمنية مع واشنطن وتمرير التفاهمات الإقليمية لضمان عدم انجراف المنطقة إلى حرب شاملة.
2 – طهران: استراتيجية النفس الطويل واستغلال عامل الوقت
تعتمد إيران على إدارة الصراع عبر امتصاص الصدمات واستغلال الثغرات الزمنية لتعزيز أوراقها التفاوضية والميدانية.
الأولوية: إعادة بناء أدوات الردع، ومواصلة التقدم في الملف النووي، وتحصين جبهتها الداخلية ومحور المقاومة.
الأدوات: كسب الوقت لإنهاك الخصوم عسكرياً وسياسياً، واستخدام الحرب السيبرانية والوكلاء الإقليميين لإبقاء الصراع في مناطق الرمادية (Gray-Zone Warfare).
3 – تل أبيب: معضلة الردع وتعدد الجبهات (التردد الاستراتيجي)
تجد إسرائيل نفسها أمام حسابات معقدة تتطلب التوفيق بين أهداف الحرب المكلفة ومحدودية الدعم الخارجي والضغوط الداخلية.
الأولوية: استعادة قدرة الردع الحاسم دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأجل على جبهات متعددة.
الأدوات: الاعتماد على التفوق الجوي والضربات النوعية، مع الحذر من الانخراط في هجمات قد تفتح مواجهة واسعة النطاق تؤثر على اقتصادها وجبهتها الداخلية.
4 – القاهرة: التحفظ وتحديد الأولويات الأمنية (الانتظار والمراقبة)
تمر السياسة الخارجية المصرية بمرحلة إدارة الضغوط الاقتصاديّة والجيوسياسية المتزايدة على حدودها المختلفة.
الأولوية: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتأمين الحدود المباشرة (ليبيا، السودان، البحر الأحمر)، وحماية الاقتصاد من تداعيات الأزمات المجاورة.
الأدوات: التمسك بالدبلوماسية التقليدية وتجنب الاندفاع نحو أي تحالفات عسكرية مباشرة، وانتظار تبلور الموقف الدولي والترتيبات الإقليمية الكبرى قبل اتخاذ خطوات حاسمة.
خلاصة: يتشكل الشرق الأوسط حالياً في مرحلة “لا حرب شاملة ولا سلام دائم”، حيث يحاول كل طرف إعادة ترتيب أوراقه في انتظار معادلة إقليمية ودولية جديدة تُعيد رسم قواعد اللعبة.