الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حين يُوضَع الوطن في مواجهة العقيدة.. من يحاكم هذا العبث؟!

منذ 20 دقيقة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

ما هذه الثنائية المصطنعة التي يجري الترويج لها في بعض المنصات الإعلامية: العقيدة أم الوطن؟ ، ومن منح أصحاب هذا السؤال حقَّ تحويل إيمان الناس إلى تهمة، ووطنيتهم إلى موضع تشكيك، لمجرد اختلافهم معهم في الرأي أو الموقف؟

إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس سؤاله بحد ذاته، بل ما ينطوي عليه من محاولة لفرض معادلة زائفة، تجعل المواطن مضطراً إلى الدفاع عن انتمائه الوطني كلما عبّر عن عقيدته، وكأن الإيمان جريمة تستوجب الاعتذار، أو كأن الوطنية امتياز تمنحه المنصات لمن يوافقها وتحجبه عمّن يخالفها.

إن العقيدة، في جوهرها، ليست مجرد شعارات تُرفع أو طقوس تُمارس، بل منظومة قيم ومبادئ قد تشكّل لدى الإنسان مصدر التزامه بالحق والعدل والتضحية والمسؤولية.

وقد كانت العقيدة، عبر مراحل من تاريخ المجتمعات، حافزاً للمقاومة والصمود وحماية الكرامة. ولا يعني ذلك أن كل موقف يُرفع باسم الدين صحيح، أو أن كل من يتحدث باسم العقيدة فوق النقد والمساءلة؛ بل يعني أن محاكمة العقائد بالجملة، ووضعها في مواجهة الوطن، ليس فكراً نقدياً، وإنما اختزال مخلّ لقضية أعمق من أن تُختزل بشعار إعلامي عابر.

الوطن ليس ملكاً لتيار سياسي، ولا حكراً على أيديولوجيا، ولا شهادة حسن سلوك يمنحها مذيع ويحجبها محلل. الوطنية تُقاس بالمواقف والأفعال، واحترام القانون، وصيانة مصالح البلاد، وحماية المواطنين، ومكافحة الفساد، لا بمقدار ابتعاد الإنسان عن عقيدته أو اقترابه من خطاب يرضي هذه الجهة أو تلك. ومن حق أي مواطن أن يناقش توظيف الدين في السياسة، وينتقد الممارسات التي تُرتكب باسمه، لكن ليس من حق أحد أن يجعل الاختلاف العقائدي قرينة على الخيانة أو دليلاً على إنعدام الوطنية.

ومن هنا نوجه رسالة إلى الإعلاميين الذين يرفعون شعار الحرية: الحرية مسؤولية، وليست رخصة لتسميم الوعي العام.إن كنتم تؤمنون بحرية الرأي فعلاً، فلتكن لكم وقفة مهنية واضحة أمام هذا السؤال ، حين يُستخدم أداةً للإقصاء والتشكيك. لا نطلب من الإعلام أن يصادر النقاش، ولا أن يحمي أي فكرة من النقد، وإنما نطالبه بأن يميّز بين النقد المشروع والتحريض المعنوي، وبين مساءلة المواقف وتجريد المواطنين من حقهم في الإنتماء.

فالإعلام الذي يسمح بتحويل العقيدة إلى وصمة، والوطنية إلى سلاح للمزايدة، لا يؤدي وظيفة الحقيقية ، بل يساهم في تعميق الإنقسام وتوسيع فجوة الثقة بين أبناء المجتمع. وإلى خطباء المنابر، فإن مسؤوليتكم لا تتوقف عند الوعظ، ولا تكتمل بمجرد استحضار النصوص والشعارات. المطلوب خطاب يثقف المجتمع، ويشرح كيف يمكن للقيم الدينية أن تعزز الأمانة والعدل وحفظ الحقوق وخدمة الناس وصيانة الوطن، مع التأكيد أن الإيمان لا يمنح أحداً حصانة من المحاسبة، وأن الاختلاف لا يبيح الإساءة. فالمنبر الذي لا يحوّل القيم إلى وعي وسلوك ومسؤولية عامة يترك فراغاً تتسلل منه خطابات التشويه والتضليل.

أما الأجهزة الرقابية والمؤسسات المعنية بتنظيم العمل الإعلامي، فعليها مسؤولية لا يجوز التغاضي عنها. إن تكرار الخطابات التي تمسّ السلم المجتمعي وتفتح أبواب التخوين على أساس الهوية أو المعتقد ، يستدعي مراجعة جدية لآليات الرصد والمساءلة.

وليس المطلوب فرض رقابة على الآراء أو إسكات النقد، بل تطبيق القانون بمعايير مهنية متساوية، والتحقق من الوقائع، ومحاسبة التجاوزات المثبتة دون انتقائية أو استهداف. وإذا تحوّل الفضاء الإعلامي إلى ساحة لتبادل تهم الخيانة وانعدام الوطنية، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً عن فاعلية الإجراءات الوقائية والرقابية، وعن قدرة المؤسسات على حماية حق الاختلاف وصيانة السلم الأهلي. إن الخطر يبدأ حين يصبح الإنتماء العقائدي موضع اتهام، ثم يصبح الصمت عن الإتهام شرطاً للقبول الوطني.

وعندها لا نخسر إحترام الاختلاف فحسب، بل نفتح الباب أمام وطن يُقسَّم أبناؤه إلى مواطنين يُمنحون صكوك الوطنية وآخرين يُطالبون بإثبات براءتهم. ومن هنا نقول ( كفى عبثاً بوعي المجتمع) …

ناقشوا الأفكار، وانتقدوا الممارسات، وحاسبوا المخطئ بالدليل والقانون، لكن لا تجعلوا العقيدة نقيضاً للوطن، ولا تحتكروا الوطنية لأنفسكم. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من محاكم التفتيش الإعلامية، بل إلى خطاب مسؤول يردم الانقسامات، ومؤسسات تؤدي واجباتها، ومواطنين يُقاس انتماؤهم بما يقدمونه لوطنهم، لا بما يُملى عليهم من أسئلة ملغومة. فالوطن يتّسع للاختلاف، أما حين يُحتكر تعريف الوطنية، فإن أول ما يُهدَّد ليس العقيدة وحدها، بل حق المواطن في أن يكون مختلفاً دون أن يُتَّهم في انتمائه.

كندي الزهيري…