الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حين تتقدّم المصالح على المبادئ… من يدفع الثمن؟!

منذ ساعة واحدة
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

المهندس مهدي الزبيدي ||

 

 

 

 

الأيام تمضي، والأحداث تسجّل في صفحات التاريخ مواقف الرجال، فمنهم من يخلّد موقفه بالحق والتضحية، ومنهم من يترك وراءه وصمة الخذلان والتفريط. فالمواقف لا تُقاس بما يُرفع من شعارات، بل بما يُتخذ من قرارات حين تُختبر المبادئ وتُعرض المصالح.

لقد ابتُليت الشعوب بحكّام أغرتهم السلطة والجاه والمال، فاستبدّ بعضهم بشعوبهم وسفكوا الدماء دفاعاً عن كراسي زائلة، كما فعل صدام وغيره من طغاة التاريخ. وتحول آخرون، ممن افتقروا إلى الإيمان الراسخ والارتباط الحقيقي بالله، إلى أدوات خاضعة للضغوط والإملاءات، يفرّطون بسيادة أوطانهم وثرواتها وكرامتها تحت عناوين الحياد، والنأي بالنفس، وعدم الدخول في المحاور، والحفاظ على المصالح، وكأن هذه الشعارات تبرّر التنازل عن المبادئ أو الصمت أمام الظلم والعدوان.

والكارثة أن من يتصدّر المسؤولية قد لا يكون دائماً على قدرها، فتُسلَّم مقدّرات الشعوب لمن يعجز عن حماية قرارها المستقل وصيانة سيادتها. وحينها لا يتحقق النأي بالنفس، ولا يُصان الوطن من الانتهاك، ولا تُمنع أراضيه من أن تكون منطلقاً للاعتداء على الآخرين، بل يخسر البلد سيادته وكرامته، من دون أن يضمن لنفسه الأمن والمصالح التي اتخذها ذريعة للتراجع.

وقد حذّرنا الله سبحانه وتعالى من الركون إلى الظالمين، فقال في محكم كتابه:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.

إن أخطر ما في التفريط أن تتخلّى عن مبادئك، وتخذل من يواجه الظلم والعدوان، ظنّاً منك أنك بذلك تحمي نفسك، ثم تكتشف أن من خذلته بالأمس هو من يقف إلى جانبك حين تشتد المحن، ويبذل الغالي والنفيس دفاعاً عنك وعن كرامتك.

إن الموقف الشريف لا يُقاس بحجم المكاسب العاجلة، بل بمدى انسجامه مع الحق والعدل ومرضاة الله. ولنا في كربلاء مدرسة خالدة، جسّد فيها الإمام الحسين عليه السلام رفض الخضوع للباطل، وجعل الإصلاح مبدأً لا يخضع للمساومة، فقال في كلمته المشهورة: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».

فالتضحيات التي يفرضها الثبات على المبدأ قد تكون مؤلمة، لكنها تحفظ للإنسان عزته وكرامته، أما الركون إلى الظلم فقد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يترك وراءه خسائر السيادة والمكانة، ويعرّض صاحبه لخزي الدنيا والآخرة.

ويأتي النداء القرآني واضحاً في التحذير من الركون إلى متاع الدنيا على حساب الواجب، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].

إن القرآن الكريم يرسم لنا منهج الحياة، ويضع أمامنا ميزان الحق والباطل، فلا يجوز أن تتحول المصالح إلى ذريعة للتفريط بالعقيدة، أو التنازل عن السيادة، أو التخلي عن المظلومين. فالموقف الذي يرضي الله هو الذي يصون الكرامة، وينصر الحق، ويرفض الخضوع للظلم، مهما بلغت تضحياته.

فهل تستحق مصالح زائلة أن نبيع من أجلها مبادئنا، ونفرّط بسيادتنا، ونخذل من وقف معنا في الشدائد؟

إن التاريخ لا ينسى المواقف، والله لا تخفى عليه السرائر، والعاقل من يختار طريق الحق قبل أن يجد نفسه أمام نتائج لا ينفع معها الندم.