لماذا رفض تسمية السيد مجتبى بالمرشد، واسرار المرشد سيد قطب وصراع عبد الناصر والماسونية..!
ناجي علي أمهز ||

بالأمس واليوم وصلني 4 تعليقات وتقريباً حول مقالي الأخير، تتعلق كلها بأن كلمة “مرشد” في مكانها، وآخرهم سألني مستغرباً: “إنه يا أخي وما الضرر بكلمة مرشد؟”.
كلمة مرشد في أصلها هي كلمة خالية تماماً من فعل الأمر أو سلطة الحكم، إنها تعني مجرد الإرشاد والتوجيه.
مثلاً؛ هناك من يضع لك كتاباً فيه إرشاد “فكري، ديني، اجتماعي، سياسي، فني، زراعي، حتى عن فن الطبخ”، وأنت في النهاية حر تماماً أن تتقيد فيه أو لا تتقيد. لكن “ولي أمر المسلمين” يمتلك السلطة الشرعية والدستورية النافذة؛ وأوامره وإرشاداته هي سلطة واجبة التطبيق والنفاذ، لذلك فإن كلمة “مرشد” لا يمكن، ولا يجوز لغوياً أو سياسياً، أن تُطلق على حاكم أو قائد يمتلك سلطة فعلية.
وكان من الأساس على السياسيين في المحور وجهابذة اللغة والإعلاميين أن يمنعوا الفضائيات التي تتبع للمحور من استخدام مصطلح “مرشد” على الشهيد القائد السيد علي الخامنئي ولي أمر المسلمين، وللاسف الشديد ان هذه الفضائيات تطلق نفس اللقب على السيد مجتيى علي الخامنئي.، ويرددها المحللون مثل الببغاوات دون معرفة ابسط قواعدها.
الجزيرة وبي بي سي ان تطلق لقب “المرشد” فان الامر له جذروه واسبابه وهويته وانتمائه، لكنه يختلف تماما عندما تنشر فضائية مثل المنار والميادين وغيرها من المواقع وحتى للاسف بعض رجال دين شيعة يطلقون لقب مرشد على ولي امر المسلمين.
الفئة الوحيدة في التاريخ الحديث التي أعطت مصطلح “مرشد” بعداً سلطوياً وحركياً هم “الإخوان المسلمين”، وهو المفهوم الذي تحدث عنه حسن البنا في كتبه ومقالاته، وكان عبارة عن اقتباس بنيوي كرسه وثبته لاحقاً سيد قطب. فقد كان قطب ماسونياً مكرساً في أحد محافل مصر، وكانت وظيفته الحرفية داخل طقوس المحفل هي “المرشد” (Director of Ceremonies / Marshal)، فما كان منه إلا أن سحب هذا اللقب من المحفل وعممه على التنظيم ليطلق على نفسه لقب المرشد الأعلى للإخوان المسلمين.
لذلك، عندما قام الرئيس جمال عبد الناصر بحظر الماسونية في مصر، لم يكن قراره نابعاً من دافع ديني أو عقائدي، ولا حتى يتعلق بكل ما يشاع في الأدبيات والشعارات التي صدع رؤوسنا بها “القومجيون العرب”. ومن المفارقات الساخرة هنا، كيف تحالف هؤلاء القومجيون لاحقاً مع الإخوان المسلمين!
أنا لست ضد أي تقارب، لكنني ضد تزييف التاريخ لصالح بعض التافهين، ولكن هكذا شعوب ممسوحة الذاكرة يكفيها هكذا أشخاص.
كل ما في الأمر، أنه بعد اعتقال سيد قطب عقب حادثة المنشية عام 1954، ضغطت دول كبرى ومن بينها دول عربية على عبد الناصر لمنعه من إعدام قطب، مع أن جريمته كانت واضحة وهي محاولة اغتيال رئيس الدولة. فحُكم عليه بـ 15 سنة سجن. ومنذ تلك اللحظة، حشدت بريطانيا كل قنواتها الخلفية للإفراج عنه وحمايته من الموت. وتوجت لندن هذا المسار عندما عينت السير هارولد بيلي سفيراً لها في القاهرة بين عامي (1961 – 1964). وبيلي لم يكن دبلوماسياً عادياً، بل كان عضواً بارزاً ومكرساً في المحافل الأكاديمية والدبلوماسية البريطانية التابعة للمحفل الإنجليزي الأكبر (UGLE)، وكان يمتلك علاقات وثيقة وممتدة مع النخبة المصرية، ومن بينهم قيادات نافذة في جماعة الإخوان المسلمين.
نجح السير بيلي في البداية بتقريب وجهات النظر؛ وكان عبد الناصر يناور بذكاء، ويستفيد بشكل قوي من ورقة اعتقال سيد قطب لابتزاز الحكومة البريطانية وإجبارها على الرضوخ لبعض رغباته. إلا أن المحفل الأكبر في بريطانيا انفجر غضباً، ورفع احتجاجاً شديد اللهجة على بطء إجراءات الإفراج عن قطب. ونتيجة لهذا الضغط، أرسلت لندن وفوداً برلمانية رفيعة المستوى زارت القاهرة مرات متكررة بين عامي 1961 و1963 والتقت بعبد الناصر. وكان المحرك الفعلي لهذه الوفود شخصيات من أقطاب المحافل البرلمانية اللندنية، وعلى رأسهم سير جوشوا فريدمان (Sir Joshua Friedman) ورفاقه من الجناح الاستعماري القديم في مجلس العموم، والمسجلين رسمياً في “محفل النواب البرلماني” (Parliamentary Lodge No. 3642). ووصل الأمر بهذه الوفود في ختام مفاوضاتها إلى توجيه تهديد مباشر وصريح لعبد الناصر، تحت غطاء قانون حقوق الإنسان، بوجوب الإفراج عن سيد قطب لا محالة.
في تلك الأثناء، كان عبد الناصر يعاني الأمرين؛ ليس فقط من ضغط الإنجليز، بل من المتنفذين المصريين في الداخل الذين كانوا يملكون وزناً هائلاً داخل المحافل الماسونية المصرية ويديرون مفاصل خفية في المجتمع. ولهذا السبب تحديداً، نجد أن قرارات تأميم الأراضي الزراعية الأولى عام 1952 وقرارات عام 1961 لم تقترب من أملاك هؤلاء المتنفذين إلا بما ندر، خوفاً من صدام مبكر مع شبكتهم الدولية. وأمام هذا الحصار المزدوج؛ ضغط بريطاني لإنقاذ سيد قطب، ونفوذ داخلي يحمي مصالح الطبقة المحفلية، اتخذ عبد الناصر القرار الأصعب وبادل اللعبة بلعبة هندسية مضادة؛ حيث اشترط أن يكون الإفراج عن سيد قطب مقابل تصفية وحظر الماسونية في مصر بالكامل، ليتخلص بضربة واحدة من هذا النفوذ الدولي الذي كان ينافسه في حكم البلاد.
وفي النهاية، رضخت لندن وشبكاتها لهذا الشرط لإنقاذ عقل الإخوان. وفي 18 نيسان 1964، صدر القرار التاريخي بحظر الماسونية تماماً في مصر وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها. وبعد يومين فقط، وتحديداً في 20 نيسان، بدأت الأجهزة الأمنية بتجهيز قرارات العفو عن سيد قطب، ليخرج رسمياً إلى الحرية في شهر أيار 1964. والمفارقة التاريخية الكبرى، أن إغلاق المحافل الماسونية واقتلاع هذا النفوذ من جذر الدولة هو الذي سمح لعبد الناصر لاحقاً بامتلاك الجرأة والقدرة على اعادة اعتقال واعدام سيد قطب 1966، وإصدار “التأميم الأكبر للأراضي الزراعية عام 1969” (تخفيض الملكية إلى 50 فداناً)، وهو القرار الجذري الذي كان عاجزاً تماماً عن تمريره في وجود تلك المحافل وأصحابها من كبار الملاك والمتنفذين.
هنا يكمن التخريب المصطلحي والهيكلي الذي يتجاوز مجرد الجهل اللغوي الفضائياتي إلى صلب “الهندسة التنظيمية لخطوط الظل”. فالقراءة السطحية للعبارات والرموز هو مقتل حقيقي لاي جماعة او امة.
وكما يثبت باحثون ومنشقون كبار، مثل المحامي ثروت الخرباوي في “سر المعبد”، فإن تنظيم الإخوان لم يولد من فراغ، بل استنسخ هيكله وألقابه بل وقنوات تمويله من أروقة البنائين الأحرار. بدءاً من رمزية لقب “البنا” الذي استعاره حسن أحمد عبد الرحمن الساعاتي ليحاكي بناة الهيكل، مراراً باسم “الإخوان” وهو اللقب الماسوني المتبادل داخل المحفل، وصولاً إلى طقوس البيعة في “النظام الخاص” داخل الغرف المظلمة فوق المصحف والمسدس، والتي هي محاكاة كربونية لطقوس الانتقال بين درجات المعبد السري.
هذه الروابط لم تكن تخرصات، بل وثقها سيد قطب نفسه، في مقاله الاعترافي الشهير الصادم “لماذا صرت ماسونياً؟” المنشور كافتتاحية في مجلة “التاج المصري” (لسان حال المحفل الماسوني المصري) بتاريخ 23 أبريل 1943، حين قال بوضوح: “لقد صرت ماسونياً لأنني كنت ماسونياً، ولكن في حاجة إلى صقل وتهذيب”. وهي ذات الروابط التي جعلت الشيخ محمد الغزالي يصرخ في كتابه “قذائف الحق” مؤكداً أن قوى سرية عالمية كالماسونية هي من أقحمت ونصبت المرشد الثاني حسن الهضيبي على رأس تنظيم الاخوان للتحكم فيه لغايات دولية.




