الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

من الانسحاب المذلّ إلى حرب تموز… إسرائيل ومحاولة استعادة الردع..الجزء الثالث..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار عام 2000 مجرد نهاية لاحتلال استمرّ نحو ثمانية عشر عاماً، بل كان زلزالاً استراتيجياً أصاب صورة إسرائيل التي اعتادت أن تقدّم جيشها للعالم بوصفه القوة التي لا تُقهر. فللمرة الأولى في تاريخ الكيان، اضطرت القوات الإسرائيلية إلى إخلاء منطقة عربية ملاصقة لفلسطين المحتلة تحت ضغط المقاومة، من دون أن تنتزع من خصمها اتفاقاً سياسياً يكرّس انتصارها أو يفرض عليه شروطها. لقد خرجت إسرائيل، فيما بقي حزب الله واقفاً على أرض المواجهة، يحمل في ذاكرة العرب مشهد الانسحاب الذي لم تستطع آلة الحرب الإسرائيلية منعه.

كان ذلك اليوم أبعد من حدود الجنوب اللبناني. فقد وصلت رسالته إلى فلسطين وسوريا والعراق ومصر وسائر العواصم العربية، وبدأ سؤال طالما هربت منه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يفرض نفسه: هل يمكن لقوة شعبية مؤمنة بقضيتها، تمتلك إرادة القتال وتعرف أرضها، أن تُجبر جيشاً متفوقاً في الطيران والتكنولوجيا والاستخبارات على مغادرة أرض احتلها؟ وإذا كان هذا ممكناً في لبنان، فما الذي يمنع تكراره في ساحات عربية أخرى؟

بعد الصدمة، وجدت إسرائيل نفسها أمام مهمتين متلازمتين: الأولى، الاستعداد لجولة عسكرية جديدة تهدف إلى سحق المقاومة اللبنانية وإنهاء قدرتها على تهديد الحدود الشمالية؛ والثانية، وهي الأعمق أثراً، إعادة بناء صورة الردع الإسرائيلي في الوعي العربي، بعدما تهاوت أجزاء أساسية من أسطورة الجيش الذي لا يُهزم.

ومن بنت جبيل، في عرس التحرير، انطلقت كلمات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن إسرائيل التي وصفها بأنها «أوهن من بيت العنكبوت». لم تبقَ العبارة محصورة في خطاب سياسي، بل تحوّلت إلى لازمة تتناقلها الألسن، بين الرجال والنساء، والكبار والصغار. وكان وقعها على إسرائيل أكبر من وقعها على أي خصم عسكري، لأنها أصابت سلاحاً لا يقل أهمية عن الدبابة والطائرة: صورة القوة في عيون الآخرين.

من الانسحاب إلى معركة الوعي

في هذا السياق، يمكن فهم المسار الذي شهدته المنطقة بعد التحرير، لكن من الضروري التمييز بين الوقائع التاريخية المثبتة والقراءات السياسية التي تفسّرها. فقد جاء اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط عام 2005 ليضع لبنان أمام زلزال سياسي ومجتمعي جديد. لم يكن الحريري مجرد زعيم سياسي سني، بل كان شخصية ذات امتداد عربي ودولي، وقاعدة شعبية واسعة، وحضور مؤثر في معادلات الحكم اللبنانية.

أحدث اغتياله انقساماً حاداً في البلاد، وتحوّلت الاتهامات المتبادلة إلى محور صراع سياسي وإعلامي، فيما وجد حزب الله نفسه في قلب مواجهة تتجاوز المسألة الأمنية إلى هوية لبنان واتجاهه السياسي وعلاقاته الإقليمية. وهنا برز خطر تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مذهبي، بحيث يُدفع اللبنانيون إلى النظر إلى المقاومة باعتبارها خصماً لجماعة لبنانية أخرى، لا طرفاً في نزاع على مستقبل البلد وموقعه في الصراع مع إسرائيل.

لقد كان هذا الاحتمال خطيراً، لأن إشعال مواجهة سنية شيعية كان من شأنه أن ينقل الصراع من الحدود مع الاحتلال إلى داخل المجتمع اللبناني، وأن يستنزف المقاومة في معركة داخلية، ويحوّل سلاحها من عنصر مواجهة مع إسرائيل إلى موضوع انقسام بين اللبنانيين.

لكن الدقة التاريخية تقتضي القول إن المسؤولية عن اغتيال الحريري لم تكن حقيقة يجوز حسمها بمجرد الاتهام السياسي. فقد أدانت المحكمة الخاصة بلبنان (بتوجيهات أميركية وإسرائيلية ) لاحقاً أفراداً مرتبطين بحزب الله، من دون أن تثبت مسؤولية قيادة الحزب أو قيادتي سوريا وإيران عن التخطيط للجريمة. وهذه الوقائع لا تلغي حجم الانقسام الذي أحدثه الاغتيال، لكنها تفرض الفصل بين ما أثبتته المحكمة وما بقي موضع اتهام وسجال سياسي.

ومهما تكن القراءة السياسية لتلك المرحلة، فإن أخطر ما واجهه لبنان كان احتمال تحويل الجريمة إلى حرب أهلية جديدة، تُستنزف فيها طاقات المجتمع وتُدفن تحت أنقاضها قضية الصراع مع إسرائيل. ومن هنا جاءت أهمية منع الانزلاق إلى مواجهة مذهبية شاملة، لأن انهيار الوحدة الداخلية كان سيمنح إسرائيل مكسباً استراتيجياً لم تستطع انتزاعه عسكرياً.

حرب تموز: اختبار القوة والردع

ثم جاءت حرب تموز عام 2006، لتكشف أن إسرائيل لم تتخلَّ عن هدفها الأساسي: إعادة صياغة المعادلة التي فرضها انسحاب عام 2000. ففي الثاني عشر من تموز، اندلعت المواجهة بعد عملية حزب الله عبر الحدود وأسر جنديين إسرائيليين، فكانت الفرصة التي تنتظرها إسرائيل لتشت
حملة عسكرية واسعة، استمرت ثلاثة وثلاثين يوماً، وشملت القصف الجوي والبحري والبري، وضرب الجسور والبنية التحتية والمناطق السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

دخلت إسرائيل الحرب وهي تراهن على تفوقها العسكري، وعلى أن كثافة النيران تستطيع تفكيك بنية المقاومة وإجبارها على الاستسلام. لكن مجريات القتال أظهرت فجوة بين التفوق في امتلاك السلاح والقدرة على تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية. فقد واصلت المقاومة إطلاق الصواريخ نحو شمال فلسطين المحتلة، وخاض مقاتلوها مواجهات برية ألحقت خسائر بالقوات الإسرائيلية ودبابات الميركافا، التي طالما قدّمتها إسرائيل بوصفها من أبرز رموز صناعتها العسكرية.

لم تكن هذه المواجهة متكافئة في حجم القوة ولا في حجم الخسائر البشرية والمادية. فقد دفع اللبنانيون ثمناً هائلاً، وسقط مدنيون ودُمّرت بلدات ومنازل ومنشآت، فيما تعرّض الإسرائيليون بدورهم للقصف والخسائر والاضطراب في الجبهة الداخلية. لكن السؤال الحاسم لم يكن مَن يمتلك طائرات أكثر، بل مَن استطاع تحقيق أهداف الحرب التي أعلنها.

لم تنجح إسرائيل في سحق حزب الله أو انتزاع استسلامه. ومع استمرار القتال، تصاعدت الضغوط الدولية لوقف الحرب، وكشفت مواقف عدد من المسؤولين العرب حجم الخلاف حول كيفية التعامل معها. وفي مقابلة مع قناة الجزيرة في السادس من آب 2006، انتقد رئيس الوزراء القطري آنذاك حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ما اعتبره موافقة عربية ضمنية على منح إسرائيل الوقت لمواصلة عملياتها، محذراً من أن إنهاء وجود حزب الله بالقوة كان جزءاً من تصور أوسع لمستقبل المنطقة. وقد عكست المقابلة، بصرف النظر عن تقييم المواقف السياسية، حجم الجدل العربي الذي رافق الحرب.

وعندما توقفت المعارك، لم تكن إسرائيل قد حققت النصر الحاسم الذي وعدت به. ثم جاء تقرير لجنة فينوغراد، التي حققت في إخفاقات حرب لبنان، ليحمّل القيادة السياسية والعسكرية مسؤولية الإخفاقات التي رافقت إدارة الحرب، ويكشف عمق الأزمة التي أصابت المؤسسة الإسرائيلية.

هكذا، بين انسحاب عام 2000 وحرب تموز عام 2006، انتقلت إسرائيل من محاولة محو أثر الهزيمة إلى محاولة فرض ردع جديد، لكنها اصطدمت بحقيقة لم تستطع تجاهلها: أن التفوق العسكري لا يضمن وحده إخضاع مجتمع يمتلك إرادة المقاومة، وأن استعادة صورة القوة أصعب من إطلاق الصواريخ وإرسال الطائرات. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد ساحتها الأرض وحدها، بل الوعي العربي، والوحدة الداخلية، والقدرة على تحويل الصمود العسكري إلى معادلة سياسية طويلة الأمد.