الجمعة - 23 اكتوبر 2026

زاد المؤمن: الأمل والتفاؤل وبشائر اليقين..!

منذ 51 دقيقة
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

 القاضي د. حسن حسين الرصابي ||

 

 

في ساحة الابتلاء والمحن، قد يتبدل مقياس الأشياء في أعيننا؛ فيبدو اليسير عسيراً كصخرة كؤود تعترض طريق النفس. لكن حكمة الأقدار الربانية تأتي لتقرر أن هذا العسر ليس نهاية المطاف ولا محطة الختام؛ فما إن ينجلي الغمام، وتتشبع الروح بمعية خالقها، حتى يُصبح العسير ذاته يسيراً هيناً؛ لأن النفس حينئذٍ قد اكتسبت من الصبر الجميل قوةً تفوق قوة المحن، وانجلى بصيرتها عن عظيم اللطف الخفي.
فكن مع الله في كل أحوالك، واصبر صبراً جميلاً لا شكوى فيه لغيره؛ ففي كنف معيته يتجلى العون الإلهي، وتتفتح بصيرة القلب لترى النور وسط الظلمات. وتأمّل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]؛ فهي آية يقين راسخ، ليست مجرد وعد عابر، بل هي حقيقة وجودية ثابتة لمن استوعب معناها.
وحين نلتمس في لجة الشتاء البارد شيئاً من الدفء، فنغلف أجسادنا بالمعاطف والثياب الثقيلة، فإن الدفء الحقيقي والأبقى هو ذاك الذي ينساب إلى أرواحنا مندفِقاً من نبع القلوب النقية، ونبض الكلمات الصادقة، وفيض المحبة التي تجمل الحياة، ونبل الصفات التي تسمو بالإنسان. إن دفء القلب لا يُنال بلمسة جسد، إنما بلمسة روح طاهرة، وطيب خُلق، ونقاء سريرة، وسلامة صدر.
فلنجعل زادنا الأبدي في هذه الحياة الفانية: أملًا لا يخبو نوره مهما اشتدت الخطوب، وتفاؤلًا يُشرق في وجداننا كلما أظلمت السبل، وعملًا صالحاً يُثمِر في الدنيا والآخرة. فمن أراد الفلاح الحق في الرزق، والطمأنينة الكاملة في النفس، فليستحضر دائماً وصية النبي المصطفى ﷺ حين قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).
ابتسموا؛ لا لأننا بلغنا مرتبة الكمال، بل لأن في ابتسامة المؤمن الصادقة إقراراً بأن الخير قادم، وثقةً مطلقة بأننا نلتمس الخير في أنفسنا وممن حولنا، معلقين آمالنا بمن بيده ملكوت السماوات والأرض. قال تعالى تسليةً للقلوب: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
أما عند لحظات العثرات والزلات، وحين تثقل الذنوب الكواهل، فإن الباب الإلهي العظيم يظل مفتوحاً على الدوام، لا يُغلق في وجه تائب، فلا تقنطوا ولا تيأسوا من سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، واستمعوا لنداء الغفور الرحيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
ختاماً؛ إن درب الحياة مهما تخللته العواصف والأشواك، يظل عامراً بأنوار الرجاء لمن أيقن أن التدبير كله بيد أحكم الحاكمين. فلنمضِ في دروبنا بخطى واثقة، وقلوب خاشعة، وأرواح معلقة بعنان السماء، متسلحين بهذا الزاد الرباني العظيم من الصبر الجميل، والأمل المتجدد، والتفاؤل الذي لا يلين، واليقين الذي لا يتزعزع. عش وفي صدرك إيمان راسخ بأن الليل مهما طال واشتد سواده، فإن فجر العطاء الإلهي قريب، وأن الله لن يضيع أجر الصابرين ولا رجاء التائبين. وإليه سبحانه المرجع والمصير.